13‏/9‏/2009

الكون - صورة نسبية مستقاة من معارفناالحالية

ارجو ان تكون هذه المقالة موضوعا لابداء الراي وزيادة تسليط الضوء على جوانب مختلفة لفلسفة المعطيات العلمية في الفيزياء الكونية وسببا لارسال اية تعليقات ممكنة حول الموضوع ,كما اريد ان انوه بان ما هو مكتوب باللون الازرق هو تعليقي او نقدي اما مصادرها فهي مذكورة في نهاية المقالة
مقدمة


لقد خطت الفيزياء في القرن العشرين , خطوات واسعة بحيث اصبح بالامكان تشكيل صورة جديدة عن العالم- الكون , تختلف عن الصور البسيطة التي كانت سائدة في عقول البشر لفترات طويلة , بحيث يمكن القول ان الصورة الحالية ( وهي لن تكتمل بتفاصيلها ابدا) تختلف جذريا عن الصور القسرية الذاتية السابقة التي لم تكن تعتمد الا على معطيات حسية بسيطة , وقد ساهم العلم في توسيع افق المعرفة بالاستناد الى التجربة والقياس والاختبار ومن ثم انتقل الى المحاكمات المنطقية المبنية على اسس بديهيات عقلية تعميمية اصبحت تشكل االقاعدة لكل بناء تجريدي لاحق .


في نهاية القرن التاسع عشر تم اكتشاف طيف العناصر الذي يمثل بصمة تعريف لاي عنصر . وتلك البصمة يمكن الحصول عليها من تسخين العناصر لدرجات حرارة عالية تفوق الالف درجة سيلسيوم , حيث تتهيج الالكترونات التي تكون موجاتها في الترتيب الاعلى لما يمكن تسميته بالمدارات الخارجية للالكترونات , وعند اكتسابها لطاقة ملائمة تقفز الى مستوى طاقي اعلى مصدرة في نفس الوقت كم طاقي يمكن التقاطه على فيلم تصوير خاص ليعبر عن طبيعة العنصر . وهناك تطبيق عملي لتلك الاكتشافات يمكن ملاحظتة في اماكن البيع الحديثة والسوبرماركات التي تستعمل البار كود الذي يقرا بواسطة جهاز خاص عند المحاسب لمعرفة سعر السلعة المباعة , وهو بنفس التشبيه يبين كيف يمكن لطيف العنصر او الكم الطاقي المنبعث منه عند تسخينه كما اسلفت ان يحدد العنصرالكيميائي - هذه التقنية تمكن الراصد من التعرف على العناصر الموجودة في النجوم البعيدة نتيجة لتحليل الطيف الصادر من عناصرها الكيميائية , وهذ ه المعلومات كانت السبب لاكتشاف الهيليوم اثناء كسوف للشمس في بداية القرن العشرين. حتى ان التسمية(هيليوم) والتي تعني العنصر الشمسي كانت بسبب اعتقاد العلماء عند اكتشافة في طيف الاشعة الشمسية اثناء كسوفها بان الهيليوم هو عنصر شمسي غير موجود على الارض , ولكن الابحاث اللاحقة مكنت العلماء من عزل واستحضار الهيليوم من الهواءالارضي ومع ذلك بقي اسمه شاهدا على ذلك الحدث.
وفي عام 1915 قام العالم الشهير البرت اينشتين بنشر نظريته في النسبية العامة التي كانت ثمرة جهود خلاقة وتعميم للنسبية الخاصة التي اعلن عنها في وقت سابق , والنسبية العامة هي نظرية علمية احتوت في داخلها على اعمال نيوتن في الجاذبية كحالة خاصة ومن اكثر بنودها شعبية تلك التي اوضحت بان المادة والطاقة هما وجهان لعملة واحدة حيث يمكن الربط بينهما من خلال معادلة رياضية تساوي بين تحول المادة الى طاقة عن طريق حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء . كما ان اعلان السرعة القصوى للحركة في الكون والمتمثلة في تحديد سرعة الضوء البالغة 300000كم في الثانية هي بند اخر في تلك النظرية , واخيرا ايجاد العلاقة الرياضية بين الزمان والمكان ودمجهما في مفهوم الزمكان لوصف تحدب الفضاء تحت تاثير الكتل المادية المختلفة.
في عام 1922 قام العالم الروسي فريدمان بدراسة المعادلات الرياضية في نظرية اينشتين عن النسبية العامة واستنتج من ذلك بان الحل الناتج لتلك المعادلات يؤدي الى تكوين صورة متوسعة للكون . الامرالذي رفضه اينشتين بشدة في ذلك الوقت ثم ما لبث ان تراجع عن ذلك الموقف في سنوات لاحقة واعتذر عن ذلك الموقف مبررا عدم السماح للعالم بفرض تصوره الذاتي الذي يناقض الحلول الرياضية للمعادلات التفاضلية التي تتضمن حدا ثابتا للتكامل الرياضي متغيرا وليس ثابتا!
وفي عام 1929 قام العالم الاميركي هابل بنشر ملاحظاته حول رصد الاجرام السماوية والتي بينت ان تلك الاجسام تبتعد عن الراصد بسرعات مختلفة تتناسب مع بعد الجسم المرصود عن الراصد ! وفكرة الرصد كانت تقوم علىظاهرة دوبلر والاستنتاجات العملية التي اكدت صدق النظرية النسبية العامة من قبل بعثة علمية انجليزية راقبت كسوف للشمس شوهد من غرب افريقيا ونشرت نتائج ملاحظاتها في عام 1917 لتصادق على صحة النسبية العامة لاينشتين. اما ظاهرة دوبلر فمفادها ان الجسم المضيء والمتحرك يمكن تحديد حركته بناءا على الطيف الصادر عن اشعاعه , فعندما يتحرك الجسم مبتعدا عن الراصد فان طيفه اشعته ينزاح نحو اللون الاحمر . اما ان كان الجسم متحركا باتجاه اقترابه من الراصد فان طيف اشعته ينزاح نحو البنفسجي . وهكذا عن طريق التقاط اشعاع الجسم المشع يمكن تحديد طيفه ومعرفة اتجاه حركته ,الامر الذي عبر عنه هابل في ثابت صحح عدة مرات وما زال يصحح حتى الان ليبين العلاقة بين حركة ابتعاد الجسم المشع المرصود وسرعة ابتعاده عن الراصد. وهكذا تبين ان جميع الاجسام السماوية المرصودة من اتجاهات مختلفة تبتعد عن الراصد وبشكل اعم تبتعد عن بعضها البعض . مما فتح المجال للقول بتوسع الكون والموافقة على ما طرحه العالم فريدمان حول استنتاجاته النظرية لمعادلات النسبية الرياضية.
اما بقية الخطوات والاكتشافات العلمية التي تبعت وادت الى القول بنظرية الانفجار العظيم وتعديلها في عدة شروحات ونظريات مكملة لوصف نشوء وحالة الكونالحلية فيمكن الاطلاع عليها في المقالة التالية للزميل زياد بالاعتماد على مقالات منشورة للكاتب جواد البشيتي والكاتب نبيل حاجي نائف والروابط الملحقة.
ومع ذلك فقد قمت بالتدخل والتصرف فيمادة المقالة سواءا في بعض التعديلات اللغوية او بالتعليق الناقد او الشارح لبعض الافكار علما بان نقدي او شرحي سيكون بخط لونه ازرق للتفريق !
الانفجار العظيم
الانفجار العظيم" هو "القوَّة"، أو هو المُوَلِّد لـ "القوَّة"، التي تُمْعِن،في مُذْ ومط اي المسؤولة عن توسعَ الكون، وفي "مطِّ" الفضاء، أو ما يمكن وصفه بـ "النسيج" الفضائي. وهذه "القوَّة" المؤثرة في "النسيج الفضائي" تَدْفَع، باستمرار، وبسرعة متزايدة( ليست دائما متزايدة فقد مرت بقيم مختلفة من الانتفاخ او التوسع المتسارع الذي تبعه تباطؤ في التسارع ثم تزايد في التسارع وتغير)، "أجزاء الكون"، والتي تشبه "جُزُراً" في بحرٍ هو هذا الفضاء أو "النسيج الفضائي"، عن بعضها البعض . و"الانفجار العظيم"، على ما يقول به أنصار ومؤيِّدو هذا التصوُّر الكوزمولوجي، هو "القوَّة الخالِقة" للفضاء (أو للنسيج الفضائي) ذاته، فهذا "الانفجار" إنَّما وَقَعَ، أو حَدَثَ، في "نقطة (ليس كمثلها شيء في الطبيعة أو في عالَم الفيزياء) متناهية في الصِغَر"، كانت تَخْلو خُلُوَّاً مُطْلَقا من هذا الشيء الذي ندعوه "الفضاء"، أي أنَّها كانت ولم يَكُن فضاء.وإذا جاز تمييز "المادة" من "الفضاء" فيُمْكننا تشبيه "المادة"، أي "الجُزُر الكونية (كل جزيرة تتألَّف من عدد من المجرَّات- وتسمى عناقيد المجرات)" والمجرَّات والنجوم..، بـ "نُقَطٍ على سطح بالون"، وتشبيه "الفضاء" بـ "مادة المطَّاط" المصنوع منها البالون، والتي مع تَمَطُّطِها، أو تمدُّدِها، تباعَد تلك "النُقَط"، أي تَظْهَرها لنا وكانها تتحرَّك مُبْتَعِدَةً عن بعضها بعضا. أقول "تَظْهَر لنا"؛ لأنَّها، في الحقيقة، لا تتحرَّك مُبْتَعِدَةً عن بعضها بعضا، فمادة المطَّاط هي التي تتمدَّد فعلاً .
فأنتَ الذي تَقَع في خارج البالون يُمْكِنُكَ أنْ تُشاهِد البالون وهو يتمدَّد؛ ولكن، هل في مقدوركَ أنْ تُشاهِد "البالون الكوني" حتى تستطيع مشاهدته وهو يتمدَّد؟ كلا، لا يُمْكِنَكَ أبدا ذلك؛ لأنْ ليس هناك من مَوْضِع يمكن أنْ نسمِّيه "خارِج، أو حَوْل، البالون (الكوني)".. ليس من شيء يمكن أنْ نتصوَّره على أنَّه "فضاء آخر" يَقَعُ فيه (أو ضِمْنه) البالون الكوني، فلا فضاء إلا الفضاء الذي نُشَبِّهه بـ "غشاء البالون". الكون لا خارِج له، فكل شيء نعرفه، أو يُمْكِننا تَخَيُّله، إنَّما هو جزء من الكون ذاته.وهذا التمدَّد للفضاء هو الذي تسبَّب بـ "برودة الكون"، فمع كل تمدُّد فضائي تَهْبِط درجة حرارة الكون، أي يقلُّ الكون حرارةً أو سخونةً. وهذا إنَّما يعني، أو يجب أن يعني، أنَّ ظاهرتي "الحرارة" و"البرودة" الكونيتين قد وُلِدتا هما أيضا بواسطةِّ "الانفجار الكوني"، فليس من المنطق، بحسب منطق نظرية "الانفجار العظيم"، أنْ نتصوَّر تلك "النقطة المتناهية في الصِغَر"، والتي "وَقَعَ فيها" هذا "الانفجار"، على أنَّها "شيء حار (في منتهى الحرارة) أو بارِد".
إنَّها، وبحسب منطق تلك النظرية الكوسمولوجية، شيء يَخْلو خُلُوَّا مُطْلَقا من الفضاء، ومن ظاهرتي "الحرارة" او"البرودة"، ومن "الزمن"، فالزمن ذاته هو أيضا مخلوق من مخلوقات "الانفجار العظيم".و يكفي لك أنْ تقول بـ "نقطة متناهية في الصِغَر"، تَخْلو خُلُوَّا مُطْلَقا من "الزمن"، حتى لا يبقى لديكَ من مناصٍ لتصوُّر تلك "النقطة" على أنَّها شيء لا يَعْرِفُ شيئاً من "التغيُّر"، فالقول بـ "انتفاء الزمن" إنَّما هو ذاته القول بـ "انتفاء التغيُّر". الشيء الذي لا يَعْرِف شيئاً من "التغيُّر"، على افتراض وجود هذا الشيء، أو على افتراض أنَّه مُمْكِن الوجود، إنَّما هو شيء "عديم الزمن"، فـ "التغيُّر" و"الزمن" صنوان، وبـ "التغيُّر" فحسب يُقاس "الزمن". تَخَيَّل أنَّكَ كنتَ مقيماً في داخل تلك "النقطة"، فكيف لكَ أنْ تَزْعُم أنَّ الزمن لا وجود له إذا ما كان قَلْبُكَ يَدُقُّ ويَنْبُض؟!( طبعا هذا اسقاط ذاتي لا يستقيم مع ما تقدمه المعادلات الرياضية حول وجود الاختلاف او ما يمكن ان نسميه كسر التماثل , فالاساس في تلك الحالة هو التماثل او التوحد في الجوهر الوجودي لمادة الشيء الموصوف رياضيا والذي اطلق عليه حالة السنغولارنست, والحديث هنا ليس مبنيا على اساس معادلات رياضية بقدر ما هو مبني علىاساس محاكمات منطقية لان الحالة التي تم تناولها غير مفهومة وغير معروفة وغير موصوفة من قبل الفيزياء او الرياضيات مما يفتح الباب واسعا للاستنتاجات والمحاكمات المنطقية التي تحاول فرض تصوراتنا عن الامور الجزئية وبديهياتنا في الامور العقلية كنوع من التعميم على اي حالة بما فيها حالة السنغولارنست السابقة منطقيا على الانفجار العظيم) وكيف لكَ أنْ تَزْعُم ذلك إذا ما رَأيْتَ هذا الإلكترون يدور حَوْل نواة هذه الذرَّة في استمرار؟! أعْلَمُ أنَّ تلك "النقطة"، التي فيها تركَّزت "مادة" الكون كلها، أي كل كتلته وطاقته، تَقِلُّ عن الذرَّة، أو عن نواتها، "حجما"؛ ولكنَّ هذا لا يعني، ويجب ألا يعني، أنَّها كانت شيئاً لا يَعْرِفُ شيئا من "التغيُّر"( هنا تلميح الى وجود كسر للتماثل كاساس للاستنتاجات اللاحقة وذلك يعني التمايز في الجواهر وهذه مقدمة لحشر الخواء او كما استخدم اللفظ لاحقا - الفراغ- , كنوع من التمايز كاساس لاعتبار وجود التغير ووجود الزمن ولاحقا الانفجار نفسه كنتيجة وليس كعلة , وهذا ما وجد طرحا متجددا من قبل العلماء في الاونة الاخيرة ويمكن النظرفيه دون نفي كلي او تصديق كلي ). ثمَّ ما معنى أنْ تُوْصَف تلك "النقطة" بأنَّها "متناهية في الصِغَر"؟ إنَّها ليست "متناهية في الصِغَر" في "كتلتها"؛ لأنَّ كل كتلة الكون تتركَّز فيها. إنَّها في "حجمها" فحسب "متناهية في الصِغَر"، فـ "حجمها"، على ما يُزْعَم، يَقِلُّ كثيرا، وكثيرا جدا، عن حجم "البروتون"، أو "نواة الذرَّة". و"الحجم"، على ما نَعْرِف، يتألَّف من ثلاثة أبعاد هي "الطول" و"العرض" و"الارتفاع (أو "العُمْق"، أو "السُمْك")".و"حجم" الجسم، أو الجسيم، لا يُمْكِنه أن يتضاءل من غير أنْ تزداد "كثافته" في حال ظلَّت "كتلته" على مقدارها. على أنَّ ازدياد "كثافة" شيء ما لا يُمْكِن فهمه إلا على أنَّه دليل على "تقلُّص (أو انكماش) حجم الفضاء (أو الفراغ) في داخل هذا الشيء"، فالشيء، ولو كان جسيما، يمكن ويجب أن ينطوي على "حجم من الخواء (أو الفراغ) غير قابلٍ للنفاد". ومهما ازداد الشيء، ولو كان جسيما في حجم "الكوارك" مثلا، كثافة فإنَّه لن يصل أبدا إلى ما يمكن تسميته "الكثافة المُطْلَقة"؛ لأنَّه لا يمكن أن يصبح في حال "الانعدام الفضائي الداخلي"، فشيء من الفضاء، أو الفراغ، يجب أن يبقى في داخل الشيء الذي في منتهى الكثافة.إذا صحَّ هذا، أي إذا صحَّ أنَّ تلك "النقطة المتناهية في الصِغَر" يجب أن تنطوي على فضاء، أو فراغ، فكيف لهم أن يُوَفِّقوا بينه وبينه قولهم بخلق الفضاء على يديِّ "الانفجار العظيم"؟!ولكنَّ السؤال الأهم الذي لم يُجِبْهُ مؤسِّسو وأنصار نظرية "الانفجار العظيم" هو الآتي: لماذا افْتَرَضوا تَرَكُّز كل ما في الكون من كتلة وطاقة في "نقطة متناهية في الصِغَر"، أي في نقطة يَقِلُّ حجمها عن حجم "البروتون"؟! إذا ما رَأيْتُ مجرَّات، أو "جُزُر الكون"، في تباعُد (تنافُر) مستمر ومتزايد، فإنَّ من المنطق أنْ أفْتَرِض أنَّها في الماضي كانت متقاربة، وأنَّ تقاربها يزداد مع كل تَوَغُّلٍ في الماضي الكوني.ولكن، أين هو المنطق (الفيزيائي والعِلْمي) في أن أفْتَرِضَ أنَّ هذا التقارب المتزايد (بين الجُزُر الكونية) يمكن ويجب أن ينتهي إلى تركيز كل مادة الكون في نقطة يقلُّ حجمها كثيرا عن حجم "البروتون"؟!لماذا افْتَرضوا لها حجما يقلُّ عن حجم "البروتون" ولم يفترضوا لها حجما يَعْدِل حجم "البطيخة" مثلاً؟! ما هي الأسباب والحيثيات والمبرِّرات والدواعي والقوانين الفيزيائية التي حَمَلَتْهُم على افْتَراض ذلك الحجم المتناهي في الصِغَر، وعلى (مِنْ ثمَّ) تصوُّر تلك "النقطة المتناهية في الصِغَر" على أنَّها شيء "عديم الفضاء"، و"عديم الزمان"؟! (في الحقيقة ان التساؤلات الوارده اعلاه لا يمكن تخطئتها تماما ولكن يمكن تبيان الاراء المختلفة والاسس المنطقية التي اوصلت الى ذلك التصور وفاده ان كتلة الكون كلها تركزت في ابعاد تقل عن ابعاد البروتون او النيترون - والسبب يعود الى ان نصف قطر المادة الكونية يقل عن نصف قطر الجاذبية بسبب عدم احتواءه على الخواء او الفراغ ان شئت تسميته . وحتى اوضح بامثلة ما المقصود بقطر الجاذبية فيكفي ان اشير الى ان اي جسم كوني يجب ان تنضغط مادته لتصبح اقل من نصف القطر للجاذبية حتى يتحول الى ثقب اسود رغم ان الثقوب السوداء اصبحت مؤكدة من وجهة نظر علمية ولا يتطرق اليه الشك ومع ذلك فان ابعاد الثقوب السوداء تكشف عن انضغاط المادة وتهشمها بحيث تحتوي على خواء او فراغ اقل بكثير جدا بالنسبة حتى للذرات الامر الذي يعبر عنه بان مادة الارض مثلا يجب ان تتركز في نصف قطر يبلغ سم واحد اما مادة الشمس مثلا فلا يجوز ان تكون ابعادها اكثر من نصف قطر يبلغ ثلاثة كيلومترات . ومع ذلك فان مادة الثقب الاسود التي تكون قادرة على تحديب الزمكان لدرجة كبيرة بالمقارنة مع الاجرام السماوية الاخرى وخلق مجال من الجاذبية لا تستطيع المادة او الاشعة من الافلات منه بسبب حاجتها الى سرعة فضائية ثانية او سرعة افلات تفوق سرعة الضوء وهذا غير ممكن حسب النسبية العامة لاينشتين , اقول ومع ذلك فان ما يوصف بحالة المادة قبل الانفجار العظيم( السنغولارنست) نظريا تؤول الى مالا نهاية في الكثافة والى الصفر في الابعاد وهي كميات غير معروفة وغير قابلة للحل , لذلك لا نستطيع الجزم حول تصور مادة الكون قبل الانفجار اعظيم - هل كانت بدون فضاء او خواء اما انها كانت تؤول الى المالانهاية ومع ذلك كانت تحتوي على نوع من الفضاء لم تستطع قوى الجاذبية العملاقة من ضغطه وتحويله الى عدم !! )



وهُمْ يكفي أنْ يتصوَّرونها على هذا النحو حتى يَتَعَيَّن عليهم أنْ يقولوا أيضا بأنَّها شيء "عديم الجاذبية"، فإذا كان "انحناء الفضاء"، أو "انحناء الزمان ـ المكان (الزمكان)"، هو، بحسب "النسبية العامَّة" لآينشتاين، المعنى الجوهري والأساسي لـ "الجاذبية" Gravity فكيف لـ "الجاذبية" أن تقوم لها قائمة، في تلك النقطة، إذا ما كان "الفضاء" و"الزمان" لم يُخْلقا بَعْد؟! لو سألْتُهُم عن "القوَّة" التي بفضلها تتماسك مكوِّنات نواة الذرة (من بروتونات ونيوترونات) لأجابوكَ قائلين: إنَّها ليست "الجاذبية" وإنَّما "القوَّة النووية الشديدة"، فـ "الجاذبية" في داخل نواة الذرَّة أضعف من أن تكون سبب هذا التماسك. وعليه، تتولى "القوَّة النووية الشديدة" إنجاز المهمَّة.. مهمَّة جعل مكوِّنات نواة الذرَّة متماسكة. إذا هُمْ قالوا، على تهافت منطق قولهم، بـ "الجاذبية" سببا للتماسك الداخلي لتلك "النقطة المتناهية في الصِغَر"، والتي تتركَّز فيها مادة الكون كلها، فكيف لها أن تكون كذلك وهي التي تُظْهِر عجزا عن أن تكون القوَّة التي بفضلها تتماسك نواة الذرَّة التي هي، في حجمها، أكبر كثيرا من تلك النقطة ؟! الكون الذي انبثق من "الانفجار العظيم" إنَّما هو تلك "النقطة المتناهية في الصِغَر" وقد تحوَّلت (بفضل هذا الانفجار) إلى ما يشبه "غشاء (أو سطح) البالون"، فهذا الكون إنَّما هو في شكل "كرة" ليس من فضاء في داخلها (جوفها) أو في خارجها، فـ "محيطها"، أو "سطحها"، هو "الكون كله"، بفضائه وجُزُرِه ومجرَّاته ونجومه..لا شيء ممَّا نَعْرِف، أو ممَّا نتخيَّل، يُوْجَد في داخل، أو في خارج، "الكرة الكونية". وإذا كان من شيء في داخلها، أو في خارجها، فلن نتمكَّن أبدا من اكتشافه ومعرفته، أو من التأثير والتأثُّر فيه، فهذا الشيء الافتراضي (أو الوهمي إذا ما أرَدتَ له هذا الوصف) ليس بجزء من كوننا (إذا ما كنتَ من القائلين بـ "التعددية الكونية") أو من الكون (إذا ما كنتَ من القائلين بـ "وحدانية الكون"). البالون في تمدُّده إنَّما يتمدَّد بوصفه جسما في داخله، وفي خارجه، فضاء أو فراغ. أمَّا "البالون الكوني" فهو يتمدَّد بوصفه جسما ليس من فضاء في داخله، أو في خارجه؛ لأنْ لا فضاء إلا الفضاء الذي يقع (مع المجرَّات..) على سطح هذا البالون، الذي في مقدوركَ أن تسير فيه إلى الأمام، وإلى الوراء، إلى اليمين، وإلى اليسار، إلى أعلى، وإلى أسفل، في "خطٍّ مستقيم (بحسب معنى "الاستقامة" في "النسبية العامَّة)"، وفي خطٍّ منحنٍ، فهذا "السطح"، أو "الغشاء"، هو "المكان" بأبعاده الثلاثة، التي لا يمكن أبدا أن تنفصل عن "البُعْد الرابع" وهو "الزمان".ولتوضيح معنى السير في الفضاء إلى أسفل نُوْرِد المثال الآتي: تخيَّل أنَّكَ تقف فوق القطب الشمالي من الكرة الأرضية، وأنَّ هذه الكرة كانت جسما شفَّافاً.. وأنَّكَ أردتَ أن تسير فيها إلى أسفل، أي أن تسير في خط مستقيم من القطب الشمالي حتى القطب الجنوبي، وأن تَخْتَرِق القطب الجنوبي مواصِلاً سيركَ في الفضاء في خطٍّ مستقيم. بعد مضي مقدار معيَّن من الزمن سترى أن سيركَ في الفضاء إلى أسفل وفي خطٍّ مستقيم قد أعادكَ إلى حيث انطلقت، أي إلى القطب الشمالي. إنَّكَ في هذه الحال قد قُمْتَ برحلة فضائية، قَطَعْتَ فيها مسافة تَعْدِل طول محيط دائرة الكون، فَعُدتَّ إلى القطب الشمالي الذي منه انطلقت.تلك "النقطة المتناهية في الصِغَر"، والتي ليس كمثلها جسم، أو جسيم، في "الخواص والصفات المادية والفيزيائية"، إنَّما تشبه، عند "انفجارها"، جسما كرويا أَخْرَجَ كل ما فيه من مادة إلى "سطحه"، فغدا "جوفه"، أو "بطنه"، بالتالي، مُفْرَغا تماما من المادة والفضاء.. من كل شيء نَعْرِف، أو يمكن أن نتخيَّل.


هذا الكون، وبحسب "ساعته" التي وُلِدَت معه، كان في الثواني الأولى من عُمْرِه بحجم "حبَّة الفاصولياء" مثلا. وكان "كوناً جسيمياً"، أي يتألَّف ليس من مجرَّات ونجوم..، وليس من ذرَّات ونوى ذرَّات، وإنَّما من جسيمات كمثل البروتونات والنيوترونات.. ومن فوتونات (جسيمات الطاقة). بعد مرور ثلاث دقائق على "الانفجار" شرعت نوى الذرَّات تتكوَّن. وبعد مرور نحو 500 ألف سنة على "الانفجار" شرعت نوى الذرَّات والإلكترونات تَتَّحِد مؤلِّفةً الذرَّات. وبعد مرور 1000 مليون سنة على "الانفجار" شرعت ذرَّات الهيدروجين والهيليوم تتجمَّع بفضل "الجاذبية" مؤلِّفةً سُحُبا غازيَّة ضخمة Giant Gas Clouds. وهذه السُحُب تحوَّلت إلى مجرَّات. أمَّا السُحُب الأصغر فكانت تنهار مؤلِّفةً النجوم الأولى. واتَّحَدت المجرَّات مع بعضها بعضا مؤلِّفةً ما يشبه "العائلات" و"العشائر" و"القبائل" Galaxy Groups.علماء الكون يقولون، في غالبيتهم العظمى، بوجود ظاهرة "الثقب الأسود" .Black Hole ويرون تماثُلا، أو أوجه شبه كثيرة، بين تلك "النقطة المتناهية في الصِغَر" التي منها انبثق الكون وبين مَرْكَز (Singularity) الجسم المسمَّى "الثقب الأسود"، فـ "الكتلة" Mass فيهما "عديمة الحجم". ويرون، أيضا، أنَّ "انهيار المادة على ذاتها" في نجم (له كتلة معيَّنة) هو الذي يُولِّد ظاهرة "الثقب الأسود"، أي يحوِّل كتلة النجم ذاتها تقريبا من كتلة لها حجم إلى كتلة لا حجم لها.وهذا الانهيار إنَّما يُنْتِجه استنفاد النجم ذاك لقدرته على توليد مزيد من الحرارة والضوء (عَبْر عملية "الاندماج النووي") فتَرْجَح، بالتالي، كفَّة قوَّة الجاذبية في النجم على كفَّة القوَّة المضادة (في داخله) لانكماش وتقلُّص حجم كتلته، فتنهار مادته على ذاتها، فيتولَّد عن هذا الانهيار "ثقب أسود".ومن الوجهة النظرية الصرف، يمكن أن ينشأ "ثقب أسود" من أي مقدار من الكتلة إذا ما ضُغِطَ هذا المقدار إلى حدٍّ معيَّن، فلو جِئت بمادة ما، مقدار كتلتها واحد غرام مثلا، وقُمْتَ بضغطها (أي تقليص حجمها وزيادة كثافتها بالتالي) إلى حدٍّ معيَّن، فإنَّها تتحوَّل إلى "ثقب أسود"، لا يختلف نوعا عن "ثقب أسود" ناشئ عن ضغط كتلة الشمس، مثلا، إلى حدٍّ معيَّن، فهذان "الثقبان" إنَّما يختلفان في "نصف القطر"، فنصف قطر الأوَّل يقلُّ كثيرا عن نصف قطر الثاني. "الثقب الأسود" إنَّما هو الظاهرة الكونية التي تنشأ عَبْر جَعْل الكتلة ذاتها (مهما كان مقدارها كبيرا أو صغيرا) في أصغر حجم ممكن. ولكل "كتلة"، مهما كانت صغيرة، "سرعة إفلات (من جاذبيتها)" Escape Velocity. و"سرعة الإفلات" إنَّما هي السرعة التي ينبغي لجسم ما بلوغها من أجل الإفلات من جاذبية تلك الكتلة. و"الثقب الأسود" لو كان مقدار كتلته واحد غرام فإنَّ الضوء (أو جسيم "الفوتون") لن يتمكَّن أبدا من الإفلات من قبضة جاذبيته؛ لأنَّ "سرعة الإفلات" من هذا الجسم الكوني تفوق السرعة القصوى في الطبيعة التي هي 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة (سرعة الضوء). وليس من جسم، أو جسيم، بحسب نظرية "النسبية" لآينشتاين، يمكن أن يسير في الفضاء بسرعة تفوق سرعة الضوء. إنَّ الضوء يستطيع الإفلات من جاذبية الشمس مثلا؛ ولكن إذا ما تحوَّلت كل الكتلة الشمسية إلى "ثقب أسود" فإنَّ الضوء لن يتمكَّن، عندئذٍ، من الإفلات من جاذبية هذا الجسم الكوني على الرغم من تساويه مع الشمس في الكتلة. وهذا إنَّما يُفسَّر بـ "الفرق الهائل في الكثافة"، فكثافة المادة في هذا "الثقب الأسود" تفوق كثيرا، وكثيرا جدا، كثافتها في الشمس. وهذا التفوُّق في الكثافة (أي هذا الحجم المفرِط في ضآلته للكتلة ذاتها) يؤدِّي إلى جَعْل نصف قطر "الثقب الأسود" مُفْرِطا في ضآلته، فيترتَّب على ذلك ظاهرة "استحالة إفلات الضوء من جاذبيته"."الجاذبية"، بحسب نظرية "النسبية العامَّة" لآينشتاين، هي مَظْهَر من مظاهر تَقَوُّس (انحناء) الزمان ـ المكان، أو "الزمكان". هذا التقوُّس هو في الشمس أشد منه في الأرض مثلا، أي أنَّ مسارات الأجسام (أو الجسيمات) حَوْل الشمس (أو على مقربة منها) تكون أكثر انحناءً؛ وسير الزمن يكون في بطء أعظم. وهذا التقوُّس في "الزمكان" الشمسي سيُصبح في منتهى الشدة لو تحوَّلت الشمس، بكتلتها ذاتها، إلى "ثقب أسود". هنا، على ما يُقال، تتوقَّف عقارب الساعة عن الحركة، ويتقوَّس الفضاء، أو المكان، تقوُّسا يَحُول بين الضوء وبين إفلاته من جاذبية "الثقب الأسود" الذي نَتَج من انهيار مادة الشمس على ذاتها.وكلَّما زادت كتلة "الثقب الأسود" زاد نصف قطره، أي المسافة الفاصلة بين مَرْكَزه (Singularity) وسطحه، أو محيطه، المسمَّى "أُفْق الحدث" Event Horizon. و"أُفْق الحدث" هو الخطِّ الفاصل بين "الجاذبية العادية" لـ "الثقب الأسود" و"جاذبيته المطلقة". إذا قُلْنا بظاهرة "الثقب الأسود" فلا مناص لنا، بالتالي، من القول بأنَّ هذا "الانهيار" هو الذي بفضله نشأت وتكوَّنت تلك "النقطة المتناهية في الصِغَر" التي منها جاء الكون. وهذا إنَّما يعني، ويجب أن يعني، أنَّ كَوْناً آخر قد انهارت مادته، أو كتلته التي كان لها حجم معيَّن، على ذاتها قبل، ومن أجل، نشوء تلك "النقطة"، التي تركَّزت فيها كل مادة الكون (كل كتلته وطاقته) ولكن في "حجم معدوم"، فـ "الكتلة المعدومة الحجم" لا يمكن أن تأتي إلا من "كتلة لها حجم".

ويكفي أن نفهم "النقطة" التي انبثق منها الكون على هذا النحو حتى ينتفي المنطق من قول من قبيل إنَّ العِلْم لن يتمكَّن أبدا من إجابة سؤال "مِنْ أين جاءت تلك النقطة؟".حتى الآن، ليس من خلاف بين علماء الكون في أنَّ "النقطة الكونية" و"مَرْكَز الثقب الأسود" يشتركان في كونهما "كتلة عديمة الحجم". وليس من خلاف بينهم في أنَّ "الكتلة عديمة الحجم" في مَرْكَز "الثقب الأسود" قد جاءت من "كتلة لها حجم" إذ انهارت على ذاتها. وعليه، لا يقولون إنَّ العِلْم لن يتمكَّن أبدا من إجابة سؤال "مِنْ أين جاء الثقب الأسود؟"، فإجابته هي عندهم معلومة على وجه اليقين. أمَّا إذا سُئِلوا "مِنْ أين جاءت تلك النقطة الكونية؟" فإنَّ إجابتهم عندئذٍ تكون "لا نعرف، ولن نعرف أبدا"! لو أنَّهم فهموا وفسَّروا "النقطة الكونية" على أنَّها ثمرة انهيار "المادة الكونية"، من قبل، على ذاتها لانتفت الحاجة لديهم إلى السؤال عن مصير ومستقبل "التمدُّد الكوني"، ولانتفت الحاجة لديهم أيضا إلى أن يقولوا في إجابتهم: "إذا كانت كتلة الكون تقلُّ عن مقدار معيَّن فلن يعرف التمدُّد الكوني نهاية؛ لأنَّ الجاذبية الكونية لن تكون قوية بما يكفي لِجَعْل الكون يتوقَّف عن التمدُّد، ولِجَعْلِه، من ثمَّ، يسير في مسار التقلُّص والانكماش، وصولا إلى نقطة كونية جديدة.. أمَّا إذا كانت كتلة الكون تزيد عن ذاك المقدار فإنَّ تمدُّد الكون (المستمر والمتسارع) سيتوقَّف عن حدٍّ معيَّن، ليشرع يتقلَّص وينكمش، وصولا إلى نقطة كونية جديدة".إذا فهمنا وفسَّرنا "النقطة الكونية" على ذاك النحو، وإذا ظللنا على إيماننا بقانون حفظ المادة، فلن نجد مناصا عندئذٍ من القول بضرورة وحتمية أن يتوقَّف تمدُّد الكون عند نقطة معيَّنة، وأن يشرع الكون، من ثمَّ، يسير في مسار التقلُّص والانكماش، وصولا إلى نقطة كونية جديدة، تتركَّز فيها الكتلة الكونية ذاتها؛ لأنْ لا زيادة ولا نقصان في مادة الكون، أي في كتلته وطاقته. إننا يكفي أن نقول بـ "الدورة الكونية" غير القابلة للنفاد،(لأشك ان الصورة النهائية لوجود الكون والتي يعتمدها اي مفك تعتمد الى حد كبير على فلسفة المعطيات العلمية الجزئية للوصول الى صيغة تجريدية للسؤال المطروح , ورغم ان قوانين المادة لا يمكن التكهن بها عندما تتغير الحالة الفيزيائية لها بذلك الشكل الدراماتيكي الذي يمكن التفكير به من وجهة نظر منطقية لما سبق الانفجار العظيم , الا ان استخدام المعطيات الجزئية من قانون حفظ المادة والطاقة على الاقل في ما بعد الانفجار العظيم اضافة الى فهم طبيعة اثقوب السوداء تمكن من طرح تصور الكون المتعاقب - هذا الطرح الذي يمكن ان يعبر عنه في ازلية الوجود من وجهة نظر فلسفية , وحتى لو كان هذا الطرح اقرب لان يكون فرضية تحتاج الى الكثير من الدلائل حتى تثبت كحقيقة علمية الا انها من وجهة نظر بساطة الحل تغري بالتمسك بها لا كتسليم ايماني مبني على اساس نظرة مادية مسبقة بل كحل فيه اتساق مع النطق يفوق الطرح المخالف الذي يعتمد على مغهوم تثبيت بداية وقطع للاستمرارية يكون ناشئا عن اضافة عامل خارجي لوجود الكون لا يزيد المسالة الا درجة اكثر من التعقيد ويظل يلح بزيادة الدرجات التعقيدية حتى الوصول الى ضرورة التوقيف من وجهة نظر ذاتية مرتبطة بتجربة الانسان في الملاحظات الحسية بوصفه نقطة ارتكاز يبدا العد الزمنة بتفعيلها الرصدي - لهذا ومع عدم وجود حسم واقعي في القضية الرئيسية للسؤال الوجودي الا ان بقاء حيز من الامكان للخوض في اجابات متنوعة لتلك المسالة الوجودية يصبح نوع من الطرح الايدلوجي الذي يعتمد على نقص الادلة الكافية للنفاذ الى تقديم افكار ومرتكزات ذاتية تخدم اغراضا عقائدية ولها هدف اجتماعي انساني قبل ان يكون هدفها الوصول الى الحقيقة الموضوعية دون لبس او ابهام )حتى لا نجد سببا موجِبا لسؤال "هل في الكون من الكتلة ما يكفي لتحوُّل تمدُّده وتوسُّعه إلى تقلُّص وانكماش؟". ليس من سبب موجِبٍ لهذا السؤال؛ لأنَّ "المقدار ذاته" من الكتلة (الكونية) صَنَع أكوان كثيرة، وخَلَق، بالتالي، ظاهرة "التعاقب الكوني".
هل للكون (أي لكوننا) من حافَّة؟ بفضل التلسكوبات المتطوِّرة رأيْنا في السماء أجساما كونية (مجرَّات مثلا) تَبْعُد عنَّا (أي عن الكرة الأرضية) مسافة (فضائية) يقطعها الضوء (الذي هو أسْرَع ما في الكون) في زمن مقداره 15 مليار سنة.ولفهم أبعاد ومعاني هذه الظاهرة نُوْرِد (أو نتخيَّل) المثال الآتي: في موضع ما في الفضاء، يُوْجَد طفل عُمْرُه سنة واحدة. ويُوْجَد إلى جانبه مُصَوِّر فوتوغرافي، قام بالتقاط صورة له، ثمَّ حَمَل الصورة، مُنْطَلِقا في الفضاء نحو كوكب الأرض لِيْرينا إيَّاها. وكان هذا المُصَوِّر يسير بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. وَصَل إلى كوكب الأرض بعد 10 سنوات. لكَ، إذا شئت، أن تَحْسِب كم ثانية تَتَضَمَّن السنوات العشر، وكم كيلومتر قد قطع في خلال تلك السنوات العشر. الآن، أرانا الصورة، فَرَأيْنا أنَّها صورة طفل عمره سنة واحدة، فهل عُمْر هذا الطفل "الآن" سنة واحدة فحسب؟ كلا، ليس سنة واحدة. عُمْرُه "الآن" 10 سنوات، إذا ما افْتَرَضنا أنَّه ما زال على قيد الحياة. وذاك الجسم الكوني (مجرَّة مثلا) الذي يَبْعُد عنَّا 15 مليار سنة ضوئية والذي نراه الآن (من خلال التلسكوب) إنَّما هو "صورته التي الْتُقِطَت له قبل 15 مليار سنة". إنَّنا نراه الآن في الهيئة (أو الصورة) التي كان عليها قبل 15 مليار سنة، أي عندما كان طفلا رضيعا، ففي الكون يُعَدُّ الأبْعَد (أي الجسم الكوني الأكثر بُعْدا من غيره عن كوكب الأرض) الأصغر سِنَّا مِمَّا هو عليه اليوم، إذا ما افْتَرَضنا أنَّه ما زال على قيد الحياة. لِنَفْتَرِض أنَّ عُمْر كوننا 20 مليار سنة. يترتَّب على ذلك أنَّ هذا الجسم الكوني الذي نراه الآن والذي يَبْعُد عنَّا 15 مليار سنة لا نراه إلا في الهيئة التي كان عليها بَعْد 5 مليارات سنة من ولادة الكون. لو جئنا بتلسكوب أكثر تطوُّرا فسوف نرى جسما كونيا يَبْعُد عنَّا 19 مليار سنة ضوئية مثلا. لقد اقتربنا كثيرا مِمَّا يمكن تسميته "حافَّة" الكون، أي النقطة الكونية التي تَبْعُد عنَّا 20 مليار سنة ضوئية. إذا ما تمكَّنا من رؤية تلك النقطة فإنَّنا سنرى عندئذٍ الحال التي كانت عليها مادة كوننا عند الولادة. وإذا ما رَأيْنا تلك النقطة، أو تلك الحال، فلا بدَّ لنا، عندئذٍ، من أن نسأل "ماذا يُوْجَد بَعْد تلك الحافَّة؟"، أي "ما الذي يمكننا رؤيته، إذا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، بَعْد تلك النقطة، أو تلك الحافَّة؟". أوَّلا، لن نتمكَّن أبدا من رؤية الكون في لحظة ولادته؛ لأنَّ "المُصَوِّر" الذي كان هناك، والذي التقط له الصورة عند ولادته، لم يستطع مغادرة المكان، وقُتِل، وأُتْلِفت كاميرته مع الصورة التي التقطها. هذا "المُصَوِّر"، وهو الضوء، كان يحاول السفر؛ ولكنَّ كان هناك ما يلتهمه ويمتَّصه، وهو "الجسيمات المادية". عندما بلغ الكون حجما معيَّنا في نموِّه، وصار الفضاء شفَّافا، أي خاليا من "المصائد" لتضاؤل كثافة "الجسيمات المادية"، تمكَّن الضوء (المُصَوِّر) من الانطلاق والسفر. لسببٍ ثانٍ لن نرى أبدا "حافَّة" الكون؛ وهذا السبب إنَّما هو "التمدُّد المستمر (والمتسارع) للكون"، فالنقطة الكونية الأبْعَد، والتي قد نتخيَّلها على أنَّها "حافَّة" الكون، ليست بالثابتة. إنَّها تتحرَّك مُبْتَعِدة عنَّا بسبب التمدُّد المستمر للكون. و"ابتعادها" هذا إنَّما هو "تباعُد" في حقيقته، فتلك "الحافة" وكوكب الأرض في تنافُر، أي أنَّهما طرفان يبتعد كلاهما عن الآخر في اللحظة نفسها، وبالمقدار نفسه. وملاحقتنا لـ "الحافَّة" بالتلسكوب إنَّما يشبه ملاحقة سفينة لنقطة الأفق، أي للنقطة التي عندها تبدو لنا السماء ملتصقة بماء البحر، فكلَّما اقْتَرَبْنا من نقطة الأفق ابتعدت تلك النقطة. لسبب ثالثٍ لن نرى أبدا للكون "حافَّة" إذا ما تخيَّلنا تلك "الحافَّة" على أنَّها أبْعَد نقطة كونية عن الأرض. وهذا السبب إنَّما يَكْمُن في فرضية أنَّ الكون كروي الشكل، عِلْماً أنَّ الفرضية التي يكاد أن يُجْمِع علماء الكون على صحَّتها هي أنَّ الكون ليس بكروي الشكل، وأنَّه يشبه "الورقة المنبسطة"، أي أنَّ تقوُّس (أو انحناء) الزمكان فيه يكاد أن يكون معدوما. إذا قُلْنا بفرضية أنَّ الكون كروي الشكل، وأنَّ كل الكون (الفضاء والمجرَّات..) يقع على سطح يشبه سطح البالون الضخم، فهذا إنَّما يعني، ويجب أن يعني، أنَّ "حافَّة" الكون هي حيث أقِفْ ناظِرا عَبْر التلسكوب إلى "حافَّته". بقي أن نقول في دحض فرضية "الحافَّة الكونية" إنَّ نجما يُوْلَدُ "الآن" في موضع ما في الفضاء لن نراه عَبْر التلسكوب إلا بعد مرور بعضٍ من الوقت (بَعْد سنة أو 100 سنة أو مليون سنة..). ولكن، لنَفْتَرِض أنَّنا رأيْنا الآن عبر تلسكوب متطوِّر جدا جسما كونيا يَبْعُد عن الكرة الأرضية 25 مليار سنة ضوئية، فهل يعني هذا، أو يجب أن يعني، أنَّ الضوء الصادِر عن هذا الجسم الكوني قد وصل إلينا الآن؟ كلا، لا يعني بالضرورة، فضوء هذا الجسم كان موجودا في السماء حتى عند ولادة كوكب الأرض؛ ولكنَّنا بفضل هذا التلسكوب المتطوِّر جدا تمكَّنا الآن من رؤية هذا الضوء. أمَّا تعليل هذه الظاهرة فيكمن في الآتي: أجزاء الكون الأساسية كانت قبل نحو 10 مليارات سنة مثلا متقاربة جدا، وكان الضوء الصادِر عن كل جزء يصل إلى سائر الأجزاء؛ لأنْ لا شيء في الكون يمكنه أن يسبق الضوء، أو أن يسير بسرعة تفوق سرعته. ومع استمرار الفضاء في التمدُّد استمرت أجزاء الكون الأساسية في التباعد (التنافر). وعلى الرغم من تباعُد تلك الأجزاء، واستمرارها في التباعد، ظل الضوء الصادِر عن كل جزء منها يصل دائما إلى سائر الأجزاء؛ لأنَّ ظاهرة التباعُد لا تعني أبدا أنَّ جزءا ما من تلك الأجزاء قد ابتعد عنَّا بسرعة تزيد عن سرعة الضوء.وهذا إنَّما يعني أنَّ أجزاء الكون الأساسية قد ظلَّت مُنذْ وُلِدَ الكون في حالٍ من "الاتِّصال الضوئي". وإذا كان من فَرْق في ظاهرة "الاتِّصال الضوئي" فهذا الفَرْق إنَّما هو الاتِّساع المستمر والمتزايد للمسافة الفضائيةالفاصلة بين كل جزء وسائر الأجزاء نتيجةً لاستمرار وتزايد تمدُّد الفضاء
(معلومات توضيحية اساسية لمن يريد ان تكون لديه معرفة بالفيزياء الفلكية وهي سهلة الفهم للجميع )

إنني متابع لهذه النظرية منذ زمن طويل( والكلام هنا للزميل الكاتب كما هو مثبت في المصدر في نهاية المقالة) وأنا ضد نظرية الانفجار الأعظم من الأساس لأسباب كثيرة .وكنت أتعجب من كثرة العلماء الذين يعتبرونها صحيحة ويبنون القوانين الكونية التي تعتمد عليها ، ولكن قرأت عدة مقالات تحاول التشكيك بها .في نظرية الانفجار الأعظم تناقضات كثيرة يجري تبريرها بطرق غير دقيقة ، وأهم هذه التناقضات هو عمر الكون وعمر المجرات التي يظهر أحياناً أنها أكبر منه .إن نظرية الانفجار الأعظم تستمد صحتها عن طريق 3 قضايا أساسية:
الأولى : أن المجرات تتباعد عن بعضها بسرعة أكبر كلما كانت أبعد عنا ، وهذا بالاعتماد على ظاهرة دوبلر التي تقول انخفاض التردد عندما يتحرك مصدره مبتعد عنا .الثانية : الخلفية الإشعاعية أو الحرارية التي أثبت وجوده منتشرة في الكون المنتشر حولناالثالثة : كمية الهيدروجين والهليوم ونسبتهم تؤيد هذه النظرية .كان خلق الكون مفهوماً غامضاً ومهملاً لدى الفلكيين ، والسبب في ذلك هو القبول العام لفكرة أن الكون أزلي في القدم وموجود منذ زمن لا نهائي ، وبفحص الكون افترض العلماء أنه كان مزيجاً من مادة والطاقة ، ويظن أنهم لم يكونا ذا بداية ، كما أنه لا توجد لحظة خلق تلك اللحظة التي أتى فيها الكون وكل شيء للوجود ، و تضمنت أن المادة والطاقة كانتا الشيء الوحيد الموجود في الكون ، وأن الكون وجد منذ زمن اللانهائي وسوف يبقى إلى الأبد.اكتشاف تمدد الكون كانت الأعوام التي تلت 1920هامة في تطور علم الفلك الحديث، ففي عام 1922 كشف الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان حسابات بين فيها أن تركيب الكون ليس ساكناً . حتى أن أصغر اندفاع فيه ربما كان كافياً ليسبب تمدد التركيب بأكمله أو لتقلصه وذلك طبقاً لنظرية أينشتاين في النسبية .لم تحظ التأملات النظرية لهذين العالمين في تلك الفترة باهتمام يذكر، غير أن الأدلة التي نتجت عن الملاحظات العلمية في عام 1929كان لها وقع الصاعقة في دنيا العلم، ففي ذلك العام توصل الفكي الأمريكي الذي يعمل في مرصد جبل ويلسون في كاليفورنيا إلى واحد من أعظم الاكتشافات في تاريخ علم الفلك .ادوين هابل هو باختصار الشخص الذي غيّر رؤيتنا إلى الكون ، ففي العام 1929 اثبت أن المجرات تبتعد عنا بسرعة متناسبة مع المسافة التي تفصل ما بينها. وتفسير ذلك بسيط مع انه ثوري: الكون يتوسع.ولد هابل في ميسوري في العام 1889 . وأدى في مطلع العشرينيات دوراً مهما في تحديد ماهية المجرات. وكان من المعروف أن بعض اللولبيات السديمية تحتوي على نجوم من دون أن يكون هناك إجماع في أوساط العلماء حول ما إذا كانت هذه مجموعات صغيرة من النجوم في مجرتنا أو إذا كانت مجرات منفصلة أو حتى أكوانا مستقلة لا يقل حجمها عن حجم مجرتنا لكنها ابعد بكثير.وفي العام 1924 قاس هابل المسافة التي تفصل الأرض عن سديم »اندروميدا« (المرأة المتسلسلة) التي تبدو كمجموعة خافتة الضوء ولا يزيد قطرها عن قطر القمر واثبت انه مجرة منفصلة تبعد مئات آلاف المرات عن اقرب نجم إلى الأرض.وكان هابل قادراً على قياس مسافات عدد محدود من المجرات إلا انه أدرك امكان احتساب درجة لمعان المجرات كمؤشر على بعدها عن الأرض ، والسرعة التي تتحرك بها إحدى المجرات اقترابا من الأرض وابتعادا عنها كانت سهلة القياس نسبيا بفضل تفسير دوبلر لتغير الضوء.مع استخدام محدد دقيق لألوان الطيف تمكن هابل من قياس درجة احمرار ضوء المجرات البعيدة ، وعلى الرغم من أن المعلومات التي توفرت لهابل في العام 1929 كانت عامة جدا إلا انه نجح في التكهن، سواء كان مقادا بحدسه العلمي آو بحسن حظه ، بالعلاقة بين درجة الاحمرار وابتعاد المجرات.وقام هابل باختباراته على أفضل منظار في العام الذي كان موجودا في تلك الحقبة على جبل ويلسون جنوبي كاليفورنيا. ويحمل اسمه اليوم أفضل تلسكوب في العالم الموجود في مدار حول الأرض ، ويكمل منظار هابل العلمي ما بدأه هابل نفسه من رسم خريطة للكون وتقديم أفضل الصور للمجرات النائية.وهابل لم يكتف بذلك بل استمر بأرصاده و حساباته و بدأ يستخدم طرقا أخرى لقياس مسافات المجرات عنا فوجد أن العديد منها يبتعد عنا بسرعات تزداد كلما كانت المجرات أبعد ، و هذا ما جعله يخلص إلى استنتاج تناسب السرعة التي تبتعد بها تلك المجرات مع بعد هذه المجرات عنا .وهكذا خلص في عام 1929 إلى القانون الذي يعرف باسمه و الذي يربط بعد المجرة عنا بمقدار عددي يسمى اصطلاحا بثابت هابل 0 V0= H0 d(و الذي يستحسن أن نسميه بعامل هابل لأنه ليس ثابتا أبدا و لم ينفك يتغير منذ أن أعلنه هابل و هو حتى الآن غير محدد القيمة بدقة). و نتيجة لعمل هابل بشكل كبير جدا فقد تمكن من حساب سرعات العديد من المجرات و هذا أدى فيما بعد إلى نتائج علمية هامة.و قد أظهرت أرصاد هابل وفق هذا المبدأ أن المجرات تتحرك بعيداً عنا، وبعد فترة وجيزة توصل هابل إلى اكتشاف آخر مهم ، وهو أن المجرات لم تكن تتباعد عن الأرض بل كانت تتباعد عن بعضها البعض أيضاً، والاستنتاج الوحيد لتلك الظاهرة هو أن كل شيء في الكون يتحرك بعيداً عن كل شيء فيه، وبالتالي فالكون يتمدد ، ومع تقدم العلم والتقنيات ظهرت صحة استنتاج هابل.فالمجرات تبتعد عنا والكون يتمدد ، ومع نظرية النسبية العامة التي وضعها ألبرت اينشتاين في العام 1915، أصبح من المسلم به أن جميع المجرات والكون برمته يتوسع .في عام 1948 طور العالم جورج غاموف حسابات جورج لوميتر عدة مراحل للأمام وتوصل إلى فكرة جديدة تتعلق بالانفجار الكبير، مفادها أنه إذا كان الكون قد تشكل فجأة فإن الانفجار كان عظيماً ويفترض أن تكون هناك كمية قليلة محددة من الإشعاع تخلفت عن هذا الانفجار والأكثر من ذلك يجب أن يكون متجانساً عبر الكون كله .خلال عقدين من الزمن كان هناك برهان رصدي قريب لحدس غاموف، ففي عام 1965 قام باحثان هما آرنوبنزياس وروبرت ويلسون بإجراء تجربة تتعلق بالاتصال اللاسلكي وبالصدفة عثر على نوع من الإشعاع لم يلاحظه أحد قبل ذلك وحتى الآن، وسمي ذلك بالإشعاع الخلفي الكوني، وهو لا يشبه أي شيء ويأتي من كل مكان من الكون وتلك صفة غريبة لا طبيعية، فهو لم يكن موجوداً في مكان محدد. و بدلاً من ذلك كان متوزعاً بالتساوي في كل مكان،( الابحاث اللاحقة بينت عدم التناظر في اشعاع الخلفية الكوني وذلك يعتبر مقدمة لفهم تكون المادة) وعرف فيما بعد أن ذلك الإشعاع هو صدى الانفجار الكبير، والذي مازال يتردد منذ اللحظات الأولى لذلك الانفجار الكبير . و بحث غاموف عن تردد ذلك الإشعاع فوجد أنه قريب وله القيمة نفسها التي تنبأ بها العلماء، ومنح بنزياس و ويلسون جائزة نوبل لاكتشافهم هذا .في عام 1989 أرسل جورج سموت وفريق عمله في ناسا تابعاً اصطناعياً للفضاء، وسموه مستكشف الإشعاع الخلفي الكوني (cobe)وكانت ثمانية دقائق كافية للتأكد من النتائج التي توصل إليها ك لمن بنزياس و ويلسون، وتلك النتائج النهائية الحاسمة قررت وجود شيء ما له شكل كثيف وساخن بقي من الانفجار الذي أتى منه الكون إلى الوجود، وقد قرر العلماء أن ذلك التابع استطاع التقاط وأسر بقايا الانفجار الكبير بنجاح .و إلى جانب ذلك فثمة دليل آخر مهم يتمثل في كمية غازي الهيدروجين والهليوم في الكون . فقد أشارت الأرصاد أن مزيج هذين العنصرين في الكون أتى مطابقاً للحسابات النظرية لما يمكن أن يكون قد بقي منهما بعد الانفجار الكبير، مما أدى لدق إسفين قي قلب نظرية الحالة الثابتة، لأن إذا كان الكون موجوداً وخالداً ولم يكن له بداية فمعنى ذلك أن كل غاز الهيدروجين يجب أن يكون قد احترق وتحول إلى غاز الهليوم .و بفضل جميع هذه الأدلة كسبت نظرية الانفجار الكبير القبول شبه الكامل من قبل الأوساط العلمية . وفي مقالة صدرت في عام ( 1994) في مجلة ( الأمريكية العلمية ) ذكر أن نموذج الانفجار الكبير هو الوحيد القادر على تعليل تمدد الكون بانتظام ، كما أنه يفسر النتائج المشاهدة .أن الكون الذي يتوسع باستمرار تنقص كثافته شيئا فشيئا منذ بداية ولادته ، ففي اللحظة التي ولد فيها الكون كان حجمه صغيراً وكثافته عالية جداً ، و في اللحظة التي ابتدأت فيها ولادة الكون ابتدأ التوسع وأخذت الكثافة تنقص شيئا فشيئا . والمراحل التي مر بها الكون منذ ولادته سنوردها موجزة ( مع التذكير بأن ما يلي هو في إطار نظرية الانفجار الأعظم والنظرية التضخمية التي تعتبر أن ولادة الكون هي اللحظة التي ولد فيها الزمن أيضا ) وهذا يعني أنه لا يصح أن نسأل عما قبل ولادة الزمن لأن ما قبل الزمن أو ما قبل الكون سؤال ليس له معنى من وجهة نظر هذه النظرية .نظرية التضخم هي نظرية فيزيائية تتنبأ بأن الكون كان في البداية أكثر حرارة بكثير مما ترى نظرية البيغ بانغ الأساسية و أنه قد تعرض لفترة توسع كوني هائل في اللحظات الأولى (ما بين 10 34- و 10 32- ثا) في بداية ولادته.تشير نظرية البيغ بانغ التضخمية إلى أن الكون ابتدأ حياته بكثافة عالية جدا (كثافة المادة أكثر من10 93 كغ/م3 فور ولادته)، و معدل توسع مرتفع جدا 10 61 (نانومتر/سنة)/كم و هذا المعدل يقابل بلغة مفهومة 100 مليون مليار سنة ضوئية في كل ثانية و لكل نانو متر من أبعاد الكون أو بشكل آخر تضخم الكون خلال هذه الفترة 10 150 مرة. و هذا المعدل المرتفع جدا لو تتابع لأدى لانحلال الكون خلال الجزء الثاني من الثانية. و لكن هذا التوسع السريع جدا رافقه انخفاض درجة الحرارة و الكتلة الحجمية مما أتاح للكثافة الكونية أن تنخفض إلى معدل أصبحت معه ولادة الكون بالشكل الذي نراه اليوم ممكنة. هذا الانخفاض هو الذي أدى إلى هذا التوسع الكوني اللا معقول، بحيث أصبح هناك في الكون تناسب بين التوسع و الكثافة لضبط هذا التوسع و التخفيف من حدته: تنخفض الكتلة الحجمية بفعل التوسع الكوني و هذا الانخفاض في الكتلة الحجمية يجعل معدل التوسع أكثر انخفاضا. وتشير النظرية إلى أنه في فترة التضخم من 3310- ثا إلى 3210- ثا لم يكن في الكون سوى نوع واحد من الجسيمات يخضع لقانون فيزيائي واحد تتوحد من خلاله القوى الكونية الأربعة (الجاذبية، القوية، الضعيفة و الإلكتروكهرطيسية). و في تلك الفترة التي كانت فيها القوى الكونية متحدة كانت الشروط الفيزيائية غريبة جدا عما نعرفه نحن. إذ تدل الحسابات (كما دلت بأن للفوتونات كتلة كبيرة في الأزمنة الأولى لولادة الكون) بان هناك كتلة للفراغ بل و هي كبيرة جدا 7310 كغ/م3 ثم تناقصت إلى أن أصبحت حاليا معدومة. ففي اللحظة 3310- ثا بعد البيغ بانغ وصل الأمر بالتوسع الكوني إلى الحد الذي جعل فيه الكتلة الحجمية للفراغ تطغى على المادة. و هنا حصلت ظاهرة غريبة (أيضا): فمع أن الكون يتوسع فإن الكتلة الحجمية الكونية لا تنقص. حيث تدل الحسابات على أنه مع توسع الفراغ ذو الكتلة إلا أن كتلته الحجمية لا تنقص عن 7310- كغ/م3. أي أن الذي يحصل في النتيجة هو ازدياد الفراغ لا أكثر.ومع انتهاء فترة التضخم أخذت القوى الكونية تتمايز إلى القوى الأربعة التي نعرفها اليوم و يتتابع التوسع الكوني كما هو وفق النظرية التقليدية. و سيبقى التوسع الكوني الحالي على ما هو طالما بقيت كتلة الفراغ مهملة. وهكذا فسرت النظرية التضخمية العديد من الأمور التي كانت عالقة أو غير مفهومة في النظرية بنسختها التقليدية. فمثلا بالنسبة لنقاط ضعف النظرية الأساسية الثلاث ، تجيب النظرية التضخمية: 1- بأن المادة كانت كلها محتواة في حيز صغير بحيث أمكن لجميع الجزيئات تبادل الطاقة في اللحظة 3410- ثانية. 2 - التضخم الكوني يسطح الكون تماما كما يفعل التوسع بسطح كرة. 3- بالنسبة للمادة المضادة يمكن أن نجد الحل في الفيزياء الجزيئية التي تحاول شرح الأمر من خلال النظر في مسألة توحد القوى الكونية وهذه هي باختصار نظرية البيغ بانغ الأساسية و النظرية التضخمية اللتان تتكاملان لتفسير نشوء الكون و تطوره إلى ما هو عليه اليوم ، بقي أن نأمل أن يتوصل العلم إلى إزاحة الستار عن الغموض الذي يحيط باللحظات الأولى لولادة الكون و الزمن صفر....و هذا ما يتطلب زمنا طويل جداً. فكلما ازدادت معرفتنا يزداد جهلنا وتزداد الأسئلة المطروحة لأن العلم لا نهاية له .
تساؤلات حول نظرية الانفجار الأعظم إن أوائل المجرات تشكلت عندما كان عمر الكون حولي 10 بالمئة من عمره الآن أي عندما كان عمر الكون حوالي مليار ونصف سنة ، وكان موجود في هذه النجوم العناصر الثقيلة وهذه يلزمها زمن أكثر من مليار ونصف سنة لأنها تتكون بعد سلسلة من تكون وولادة النجوم وموتها ، وكذلك الكوزارات تحتاج لأكثر من هذا الزمن كي تتكون . فالمجرات القصية التي فيها كوزارات والتي تبعد عنا حولي 12 مليار سنة ، هي مجرات نراها عندما كان عمر الكون بين 2 - 1.5 مليار سنة . وتلك المجرات القصية والتي تبعد عنا أكثر من 12 مليار سنة ، ونحن نراها هندما كانت قبل 12 مليار سنة ، كان يلزمها 12 مليار سنة كي تبعد عنا هذه المسافة إذا كانت تسير بسرعة الضوء أي هي موجودة قيل 12 + 12 مليار سنة .ونظرية الانفجار الأعظم تقول بتوسع المكان كي تتحاشى سير المجرات بسرعة أكبر من سرعة الضوء ، فهي تقول أن المجرات تبتعد عن بعضها بسرعة كبيرة ويضاف لهذه السرعة السرعة الناتجة عن توسع المكان ، وكما نعلم تجاوز سرعة الضوء مستحيل وهذا من أسس قوانين الفيزياء .لقد اعتمدت نظرية الانفجار الأعظم على الحجم الأصغري للكون وعلى الطاقة الأعظمية كبداية لوجود الكون .( او بلغة الرياضيات فان نظرية الانفجار العظيم اعتمدت علىتصور الحالة الاولية للكون انطلاقا من حالته الحالية وذلك بالسير في اتجاه عكسي وخطي لصيرورة الكون مما يعني الوصول الى ابعاد تقترب من الصفر في الحجم وكتلة ثابتة ولكنها تقترب من اللانهاية , الامر الذي يبقي الباب مفتوحا للخوض في امور غير معرفة ينتج عنها كثافة غير معرفة تؤول الى اللانهاية بحيث تقترب من تصور انعدام الفراغ او الخواء في تلك الكتلة وضمن تلك الابعاد الاولية - وبالطبع فان مثل هذه الامور تكون اقرب الى المحاكمات المنطقية وان اعتمدت على معادلات رياضية من القول بانها امور واقعية قطعية ترقى الى مرتبة الحقائق العلمية) وهذا يناقض كافة أسس قوانين الفيزياء المعتمدة التي تعتمد كبداية العكس الحجم الأعظمي والانكماش وتركيز الطاقة في حيز متناقص ، وعندما يصل تركيز الطاقة في الحيز المكاني إلى مقادير عالية جداً جداً يحدث الانفجار والتحول إلى الانتشار .إن بناء نظرية الانفجار الأعظم تم انطلاقاً بالعودة إلى الوراء عن طريق الرجوع في الزمن . يوجد فيها قفزات غير مبررة بشكل دقيق وخيالية ، فالمرصود هو فقط تباعد المجرات عن بعضها ، وليس تباعد الغازات أو السحابات أو المجموعات الشمسية . وهذا لوحده لا يكفي ليثبت أننا إذا عدنا في الزمن سوف نعود إلى نقطة واحدة تضم كافة مكونات الكون .ونظرية الانفجار الأعظم تعتمد وجود درجات حرارة متناهية في الكبر ، وهذا غير مثبت إمكانية وجودها بشكل دقيق .لقد تم حديثاً اكتشاف فراغ هائل الأبعاد ، وهذا يصعب تفسير وجوده بناء على نظرية الانفجار الأعظم .تصادم المجرات يصعب تفسيره بشكل دقيق حسب هذه النظرية ، فكيف يحدث تصادم بين مجرتين إذا كانت كلتاهما ناتجتان عن انفجار واحد .لقد ورد في الملحق العلمي لمجلة العربي مقال عن المادة والمادة المضاد ، فقرة عن نظرية الانفجار الكبير : هناك كشوف حديثة تهز من أركان هذه النظرية ، وتكشف قصور فيها . عن مجرة كشفت حديثا . فحسب المعادلات التي تخص هذه النظرية يجب أن يكون عمر هذه المجرة حسب المسافة عن نقطة الانفجار العظيم 700 مليون سنة ، ولكن الحقيقة أن هذه المجرة عمرها 13 مليار سنة ، مع أن النظرية تقول أن عمر الكون 14 مليار سنة ، فيمكن أن يوجد خلل في هذه النظرية .
منذ عشرين سنة، قدر معظم علماء الفلك عمر الكون حولي أربع عشر مليار سنة ، وافترضوا أن المجرات تشكلت خلال المليارات الأولى من وجوده. واليوم، تطرح المقتضيات المطلوبة من أجل رصد المجرات المتنامية البعد مشكلات حقيقية أمام منظري الكون، ذلك أن الاكتشاف الياباني ليس معزولاً، فقد اكتشف علماء الفلك الأوربيون، الذين يستخدمون المقراب الشهير (فيري لارج) المنصوب في التشيلي مجرات مشابهة لمجرتنا (درب التبانة او الطريق اللبني)، لكنها تقع على بعد 11،7 مليار سنة ضوئية عن الأرض! المشكلة هي أن أحداً لا يفهم اليوم جيداً كيف تسنى لأجرام يبلغ قطرها نحو 100 ألف سنة ضوئية، وتتألف من مئات مليارات النجوم، أن تتراكم (تتجمع) في غضون ملياري سنة.إن عدم خضوع بعض المجرات لقانون هبل . فأقرب مجرة كبيرة إلينا، أندروميدا، تتحرك فعلياً نحونا ولا تبتعد عنا. والسبب في ظهور هذه الإستثناءات هو أن قانون هبل يسري فقط على السلوك الوسطي للمجرات. وقد يكون لبعض المجرات حركات محلية متواضعة، كأن تدور بتأثير الثقالة حول بعضها، وهذه حال مجرة درب التبانة وأندروميدا. وكذلك ثمة مجرات بعيدة سرعاتها المحلية صغيرة .عندما نطبق قانون دوبلر المعهود على الأجرام التي تقارب سرعاتها سرعة الضوء، نجد أن الانزياح نحو الأحمر يقارب اللانهاية. فموجات هذا الضوء تصبح أطول من أن تلاحظ. ولو صح هذا على المجرات، لكان يعني أن أبعد الأجرام المرئية تتقهقر بسرعة أكبر بكثير من سرعة الضوء. ولكن قانون الإنزياح الكوسمولوجي نحو الأحمر يؤدي إلى غير هذه النتيجة. ففي النموذج الكوسمولوجي القياسي الحالي، نجد أن المجرات التي يصل إنزياح موجاتها نحو الأحمر إلى نحو 1.5 - أي التي موجاتها أطول بـ150 في المئة مما قيست به في المختبر - تتقهقر بسرعة الضوء.وقد رصد الفلكيون نحو 1000 مجرة إنزياح موجاتها نحو الأحمر أكثر من 1.5. وهذا يعني أنهم شاهدوا 1000 جرم تقريباً كل واحد منها يتجاوز في تقهقره سرعة الضوء. وهذا يكافىء قولنا إننا نحن نتقهقر عن هذه المجرات بسرعة تفوق سرعة الضوء. بل إن إشعاع الخلفية الكونية من الموجات الميكروية تجاوز ذلك وبلغ إنزياحه نحو الأحمر 1000 تقريباً. وعندما بثت البلازما الحارة هذا الإشعاع الذي نرصده الآن في بداية الكون، كان يتقهقر عن موضعنا بسرعة تقارب 50 مرة سرعة الضوء .شيء آخر يتعلق بهذه النظرية العلمية هو قصورها حتى الآن عن الوصول بالفهم إلى ما حصل في اللحظة صفر (أو الزمن صفر) . إذ ما يمكن الوصول إليه حتى الآن هو في حدود ما تصل إليه الفيزياء الحالية من فهم أو ما يعرف بحدود بلانك: ذلك أن العلم غير قادر –اليوم- على فهم ما يجري عندما تكون الأبعاد أصغر من حدود بلانك ( وهي 3210 K للحرارة و 10 35- متر للمسافة و 10 -43 ثانية للزمن) و قادر على أن يفهم ما هو أكبر من هذه الحدود ( ولكن لنكن متفائلين، فكل ما تم في هذا الإطار لا يتعدى عمره 70 سنة فقط).لقد عارض نظرية الانفجار الكبير الفلكي فريد هويل، ففي منتصف القرن العشرين أتى هذا الفلكي بنموذج جديد ودعاه بالحالة الثابتة، وكان امتداداً لفكرة المتضمن أن الكون يتمدد، فافترض هويل وفق هذا النموذج أن الكون كان لا متناه في البعد والزمن، وأثناء التمدد تتولد فيه مادة جديدة باستمرار بكمية تجعل الكون في حالة ثابتة. وهذه النظرية كانت على خلاف كلي مع نظرية الانفجار الكبير، والتي تدافع عن أن للكون بداية ، والذين دعموا نظرية هويل في ثبات الحالة ظلوا يعارضون بصلابة الانفجار الكبير لسنوات عديدة، ومع ذلك فالعلم كان يعمل ضدهم .ويوجد عدد من النماذج الأخرى طورها علماء قبلوا بنظرية الانفجار الكبير، لكنهم حاولوا إبعادها من فكرة أن للكون بداية ، وأحد تلك النماذج هو "الكون ذو النموذج الكوانتي "النموذج الكوانتي للكون هو محاولة أخرى لتنظيف الانفجار الكبير من متطلبات التخلقية وتخليصها من حقيقة الخلق، وقد بنى الداعمون لهذا النموذج محاولتهم تلك على المشاهدات الكوانتية للفيزياء ما دون الذرية .إذن في الفيزياء الكوانتية لا توجد المادة إذا لم تكن موجودة قبلاً، وما يحدث هو أن طاقة مختفية تصبح فجأة مادة وكماً .نموذج الكون الهزاز طور هذا النموذج من قبل الفلكيين الذين لم تعجبهم فكرة أن الانفجار الكبير كانت بداية الكون، ويقضي ذلك النموذج بأن التمدد الحالي للكون سوف ينعكس أخيراً عند نقطة معينة ويبدأ بالانكماش والتقلص . وهذا الانكماش سوف يسبب انهيار واندماجاً لكل شيء في نقطة واحدة ،ومن ثم تعود تلك النقطة لتنفجر ثانية مستهلة جولة جديدة من التمدد، وكما يقولون فهذه العلمية تتكرر بشكل لا محدود مع الزمن، ويفترض هذا النموذج أن الكون عانى لغاية الآن هذا التحول عدداً لا نهائياَ من المرات، وأن تلك العملية سوف تستمر إلى الأبد، وبكلمة أخرى سيبقى الكون سرمدياً خالداً رغم أنه يتمدد وينهار خلال فواصل زمنية مختلفة مع حدوث انفجار هائل يختم كل دورة، والكون الذي نحن فيه هو واحد فقط من هذه الأكوان اللانهائية والتي تمر عبر الدورة نفسها .في سباق علماء الفيزياء الفلكية لمعرفة أصول الكون، اليابانيون هم اليوم الأكثر تقدماً. فقد تمكنوا، بمقرابهم العملاق (سوبارو) من اكتشاف أبعد مجرة معروفة الآن (إس دي إف 132418) على مسافة 12،8 مليار سنة ضوئية من الأرض. في الواقع، حسب نظرية الانفجار الأعظم، تبتعد الأجرام عنا بسرعة قريبة من سرعة الضوء، محمولةً بتمدد الكون. ومن منطلق هذا التمدد الإجمالي للزمكان، فإن الضوء الذي تطلقه ينزاح بمفعول دوبلر باتجاه الأطوال الموجية الأكبر. والنتيجة هي أن فوتونات الضوء فوق البنفسجي، التي انبعثت منذ 12،8 مليار سنة، تنزاح اليوم في الأشعة تحت الحمراء. وفي الصورة التي التقطها (سوبارو)، هناك أكثر من 50 ألف مجرة، من بينها 60 مجرة اكتشفتها برمجيات استكشاف تلقائي، وهي تطلق أشعة منزاحة جداً في الأحمر. منذ عشر سنوات، كان الأمريكيون هم من حطم أرقام البعد القياسية. من المؤكد أن الأمر ليس مجرد مأثرة تكنولوجية بالنسبة إليهم، فالرصد بعيداً في الفضاء بالنسبة إلى عالم الفلك يعني العودة في الزمن. ولما كانت صور الكون تصلنا بسرعة الضوء (300 ألف كم/ثا)، فإن الجرم الكوني الذي يقع على مسافة مليار سنة ضوئية من الأرض يشاهد كما لو كان موجوداً قبل مليار سنة ماضية، إلا أن المجرة التي اكتشفها الفريق الياباني موجودة على بعد 12،8 مليار سنة ضوئية، غير أن عمر الكون، وفقاً لجميع قياسات القمر الصناعي (دبليو إم إي بي) هو 13،7 مليار سنة. بعبارة أخرى، إذن هذا الجرم رُصد كما كان عقب الانفجار الأعظم بـ900 مليون سنة فقط. إن ما يجري اكتشافه إبان فجر الكون مثير للحيرة يوماً بعد يوم. وفي الواقع، فإن الرهان الرئيسي لقياس عمر الكون يقوم على فهم كيف بُني الكون عقب الانفجار الأعظم. ولكن، كلما أعطى علماء الفلك الكونَ عمراً أصغر، وتلك هي الحال منذ عشرين سنة، تضاءل زمن التشكل المعطى للنجوم والمجرات .


هذه المقالة تتماثل مع حصيلة قراءات لي في هذا المجال وهي مكتوبة في منتدى الحاد (http://el7ad.com/smf/index.php?topic=67886.0 بواسطة الزميل زياد ومنقولة عن شبكة العلمانيين العرب بواسطة الكاتب نبيل حاجي نائف, وتتضمن جوهر مقالة للكاتب جواد البشيتي منشورة على الرابط التالي



6‏/9‏/2009

مفارقات التطور ونظرية الخلق التام

هل تقول نظرية داروين بان اصل الانسان هو قرد ؟ ويحتج البعض بالسؤال - ولماذا لم تتطور القرود لتصبح بشرا؟
يشعر الكثير من الناس ومن مذاهب وأديان مختلفة بالمهانة وانحطاط القدر عندما يقال ان للانسان والقرد أصل مشترك أو سلف واحد . والصراع بين منكري التطور ومؤيديه قديم ، وما يزال ، بدأ منذ سطر دارون نظريته حول أصل الانواع وعرضها بالشكل العلمي والمنطقي الذي لم يسبقه اليه أحد رغم ان تلك الافكار كانت متداولة في الوسط العلمي. منذ ذلك الوقت نشأ مصطلحان يمثلان فئتين مختلفتين من الناس ، الفئة الاولى تسمى " الخلقيون " بفتح الخاء ، وهم الذين يؤمنون ان كل كائن حي خلق على حاله وحسبما اراد له الخالق أن يكون ، والفئة الثانية هم "التطوريون" الذين يؤمنون بالتطور الاحيائي وان الحياة نشأت منذ مليارات السنين من خلية واحدة ثم ارتقت وتطورت الى كل الانواع التي وجدت على الارض . وفيما يقرن هذا الفريق كل ادعاءاته بحجج علمية وبراهين مادية وتجارب علمية لايرقى لها الشك في معظم الاحيان ، لايجد الفريق الاول في الدفاع عن معتقداته سوى الغيب وما جاء في الكتب السماوية وأحاديث الانبياء ، وقد يجتهد بعضهم للتشكيك بالنتائج العلمية ولكن ليس بأدلة داحضة . هذا الحال موجود عند كل الامم سواء تلك التي تدين بمعتقد سماوي أو "أرضي" . ولكن ما يبعث على الدهشة أن يصل الجهل عند البعض الى درجة الغباوة ليضعوا الاعتراض التالي : (لماذا اكتفت الطبيعة (مادة + صدفة) بتطورالقرد (انذاك) وحرّكته الى بشر(حالي)؟؟؟ في حين مازالت بقية القرود تنزو وتنجب وتتكاثر قروداً عن قرود عن قرود؟؟؟؟ثم ما بال قرودنا الحالية لا تتطور الى بشر؟؟ فهل توقف التطور؟ام تعطل الدنا؟؟ ام انتهت الصدفة) . مثل هذا القول ليس الا جهل أعمى بالحقائق العلمية ، فالقرد ذاته لم يتحول الى أنسان وكما سأبين في هذه المقالات بل هناك سلف مشترك انفصل عنه نوعان هما الانسان و الشمبانزي سار كل منهما بطريق تطوري مختلف ولكنهما أحتفضا بالعديد من صفات ذلك السلف البعيد ، ثم ان الخلية الاولى التي نشأت لم تولد بالصدفة بل نتجت عن سلسلة تفاعلات كيميائية عديدة في ظروف طبيعية غير موجودة على الارض اليوم وقد تم أثبات ذلك مختبريا كما في تجارب ميلر . أما التطور فهو لم ولن يتوقف ولكنه بطيئ جدا ويستغرق ملايين السنين فأذا كان عمر الانسان لا يزيد عن مائة عام فكيف اذن يتسنى له ان يرى ذلك بأم عينيه . ان الطبيعة تركت لنا شواهد على التطور الاحيائي وتلك الشواهد مخزونة داخل الخلية ، انها جزيئة ال DNA التي تحكي قصة وجودها على الارض ، اضافة الى الملايين من الاحافير التي تنطق تاريخها بكل صدق . في عالم الاحياء لايوجد شيئ اسمه صدفة ، بل البيئة هي المحرك الاساس لكل التغيرات الاحيائية ، والبيئة اصطلاح واسع المعنى يشمل جوانب في غاية التعقيد والتأثير . سوف أتناول في هذا العرض دون اسهاب ارتقاء الانسان من جانبين ، الجانب الاول يتعرض للتشابه والتقارب بين الشمبانزي والانسان وأعني به التشابه الجيني ، ويشمل الجزء الآخر العلل الجينية (الطفرات) التي يعزى لها ظهور صفات جديدة في الكائنات الحية على المدى الطويل . وسوف اورد بعض الادلة التي اكتشفها علماء التطور الجيني أو ما يعرف بالداروينية الجديدة . واستميح القارئ عذرا بالاستطراد قليلا لايضاح نقطة مهمة في الموضوع ، فحين أتحدث عن موضوع علمي شائك مثل هذا فأني أستند الى نتائج بحوث علمية رصينة منشورة في الدوريات العلمية المشهودة ، أضيف لها تعقيباتي وملاحظاتي اسهاما في ايضاح الصورة لغير المتخصص من القراء . كما أني لااملأ المقالة بأسماء تلك البحوث لان موقع كتابات موقع للثقافة والمعرفة العامة وليس موقعا علميا متخصصا يقتضي منا الكتابة بنمط محدد صارم كما هو الحال في الدوريات العلمية ، يضاف الى ذلك فأن قراء الموقع ذوو خلفيات علمية متباينة لذا فأن الكتابة للجميع تتطلب نوعا من العمومية وسهولة التعبير دون المساس بالحقائق العلمية . قد يبدو غريبا للوهلة الاولى أن نعرف ان التركيبة الجينية للشمبانزي هي أقرب للانسان منها الى الغوريلا أو أي قرد آخر ، انها الحقيقة التي أظهرها تخطيط الجينوم البشري وجينوم الشمبانزي ، وقد دعا هذا التشابه الكبير بعض علماء التصنيف الحيواني الى اقتراح ادراج الشمبانزي ضمن جنس الانسان Homo وجعله نوعا مختلفا وليس جنسا مستقلا . هذه التشابه لايمكن تفسيره الا بأنحدارهما من أصل مشترك ، وهذا ليس استنتاجا سطحيا . وسوف أكتفي بايراد مثال واحد يدعم هذا الاستنتاج . تحتوي الخلايا الجسمية للشمبانزي على 24 زوجا من الكروموسومات بينما تحتوي خلايا الانسان على 23 زوجا ، ولكن أثنين من كروموسومات الشمبانزي هما كروموسوم p2 و k2 قد التحما من طرفيهما ليكونا الكروموسوم 2 عند الانسان . • عند فرد كروموسومي 2 في الشمبانزي ووضعما رأسيا فوق بعضهما فأنهما يعطيان التخطيط الحزمي لكروموسوم 2 عند الانسان دون أي أختلاف يذكر . • في نهاية كل جزيئة DNA هناك سلسلة متعاقبة من القواعد النيتروجينية تسمى تيلومير ، ويختلف ترتيب القواعد فيها و طولها بأختلاف الكائن الحي ، ولها وظيفة مهمة أثناء انقسام هذه الجزيئة كما انها تحمي طرفها من تأثير الانزيمات . لو نظرنا الى الكروموسوم 2 عند الانسان فأننا سنرى تيلوميرات الشمبانزي في وسط الكروموسوم 2 تماما في المكان الذي التصق فيه طرفا كروموسومي القرد . • توجد على كل كروموسوم منطقة معينة تسمى سنترومير لها وظيفة مهمة أثناء الانقسام الخلوي ، موقع السنترومير واحد في كروموسوم 2 عند الانسان وكروموسومي 2 في الشمبانزي . تتشابه جينات الانسان والشمبانزي بنسبة تزيد عن 96% ، ولكن لابد من التساؤل ان كنا متشابهين الى هذا الحد فما الذي يجعل من الانسان انسانا و من القرد قردا . هذا السؤال طرح في العقد الاخير بعد ان تم تخطيط الجينوم البشري وجينوم الشمبانزي بالكامل . تحتوي جزيئة DNA الانسان على ثلاثة مليارات قاعدة نيتروجينية ، مها 40 مليون قاعدة ليس الا غير موجودة عند القرد ، وكما ترى فأنه رقم ضئيل بالقياس للعدد الكلي للقواعد ويمثل نسبة تقل عن 4% من التركيبة الجينية ككل . في هذه الملايين الاربعين يكمن اللغز الذي يجعلنا بشرا . وأذا أردت ان أحول هذه الارقام الى شكل مفهوم أكثر فأن 53 جينا فقط من مجموع 30000 جين فعال في الانسان غير موجودة في خلايا الشمبانزي . هذه الجينات في الواقع تحدد صفات محددة عند الانسان مثل المشي على قائمتين و القدرة على النطق و حجم الدماغ ، أضافة الى ان عددا منها تسبب أمراضا معينة . كذلك يوجد في الشمبانزي بضعة جينات تختفي عند البشر ، وكمثال على هذا الجين المسمى caspase-12 الذي اختفى من الانسان ولكن أختفاء هذا الجين هو المسؤول عن مرض الزهايمر الذي يصاب به البشر في سن متقدمة بينما لايصاب الشمبانزي بهذه المرض . كذلك فأن الجين foxp2 غير موجود في الشمبانزي لكنه الجين المسؤول عن النطق . ان العلم في تقدم مضطرد وسريع ، خلال العقد المنصرم جرى تخطيط الجينوم لاكثر من 180 كائنا حيا بضمنهم الانسان . وقد كانت النتائج مدهشة ، فالفأر والجرذ لهما جينات موجودة في الانسان ، ويتشابهان من الناحية الجينية بنسبة 88% مع البشر ولهذا كانت التجارب الطبية والدوائية تجرى على الفئران . أما الكلب فيتشابه مع الانسان (جينيا) بنسبة 75% ، والدجاجة بنسبة 60% و ذبابة الفاكهة بنسبة 50% . وفي أحد الاسماك البحرية التي تسمى محليا في منطقة الخليج بالحمارة فقد وجد 961 جينا بشريا أو الاحرى ان لدينا ذلك العدد من الجينات السمكية لانها أقدم منا في الوجود على الارض . الى ماذا يقودنا كل ذلك التشابه الكبير ، لابد ان ذلك كان موجودا في أصل مشترك قبل ان تنفصل الانواع في السلم التطوري ، ومن البديهي القول انه كلما قلت نسبة التشابه كلما ابتعد في الزمن وقت أنفصال الاحياء والعكس صححيح . واذا عدنا الى السؤال الاول ، ما الذي يعطي الكائن الحي خصوصيته اذا كان كل هذا التشابه الجيني موجودا . أجنة الانسان والقرد والحصان والدجاجة كلها لها ذيول في بداية نموها ، مالذي يجعل ذيل الانسان يتوقف عن النمو ويستمر ذيل الحصان بالنمو . هناك في الواقع مجموعة من الجينات مهمتها السيطرة على عمل الجينات الاخرى ، انها مثل رب العمل الذي يوجه عماله لاداء المهام المختلفة ، فهي تسكت جينات معينة في وقت معين و توقظ جينات اخرى من سباتها في الوقت المطلوب . جينات السيطرة هذه مهمة جدا لتحديد الشكل العضوي للكائن الحي . بعض هذه الجينات متشابه في الحيوانات لانها ورثته من سلف واحد ، وبعضها طرأ عليه بعض التغيير الذي عدّل من وظيفته استجابة لتغيرات بيئية كبيرة . من أمثلة هذه الجينات بعض تلك المسمات جينات هوكس hox genes والتي وظيفتها السيطرة على وقت وشكل الاعضاء اثناء النمو الجنيني ، فهي التي تحدد اين يجب ان ينمو الرأس وأين ينبت الذيل مثلا ، وقد تلاعب الباحثون في هذه الجينات في المختبر فكان ان نما الرأس على البطن أو برزت الاطراف في غير مكانها وهكذا . ان التفاعلات البيوكيميائية داخل الخلية معقدة الى الدرجة التي يصعب تخيلها ولكن الجينات تتحكم بها بشكل بالغ الدقة بحيث تجري بأتساق وتناغم هرموني لايقبل الخطأ . ما الذي يحدث ياترى كي تختلف الجينات عن بعضها ، أو ماالذي يجعل الجينات تتغير مع الزمن ؟ ..
وهنا روابط يعزز هذه الفكرة
وللاستزادة في هذا الموضوع يمكن قراءة الرابط التالي

29‏/3‏/2009

الالوهية والدين وتقبل الاخر- اختيار الطريق


المقدمة

كان إسماعيل أدهم (1911- 1940) هو اول من كتب في مصر عن إلحاده بكل جراة و صراحة و كان ذلك في الحقبة الملكية الليبرالية حيث كانت مصر تتمتع بحرية و ديموقراطية باكثر من زمننا الحاضر.لذلك فحين نشر كتابه "لماذا أنا ملحد ؟" تصدى له الكثيرين بالرد من خلال كتب و مقالات بعناوين مثل "لماذا انا مؤمن ؟" بدون اللجوء إلي العنف أو حتى إتهامه بإزدراء الاديان كما يحدث في زمننا الحاضر.غير ان بزوغ عصر الإنترنت قد شجع الكثير من الملحدين على الظهور مرة أخرى و التعبير عن آراءهم بحرية و صراحة و لأنني أنا أيضا ملحد فلقد أحببت أن أدون أسباب إلحادي موضحا موقفي و وجهة نظري من الألوهية و الدين, فأنا أرى أنه من واجب كل مثقف عصري حر أن ينكر كل الآلهة و أن يتصدى لخرافات الاديان اللامعقولة و اللاأخلاقية, بدلا من أن نشهد إستفحال التعصب الأعمى و تفشي النفاق الديني في كل مكان في المجتمع دون ان نحرك ساكنا.لقد ولدت مسيحيا لأبوين مسيحيين و حين بدأت سن المراهقة دخلت في حالة تزمت و تعصب ديني فألزمت نفسي بالقراءات الكثيرة و الصلاة و الصوم و المواظبة على طقوس الكنيسة, لكن بينما كنت أكبر راحت مشاعري تفتر و بدأت أسأل أسئلة كثيرة. كنت في البداية أتلقى الإجابات لكن بعد ذلك لم تكن الإجابات تشفي غليلي, و مع الوقت لم أعد اشعر بشيء, صليت كثيرا و بكيت و طلبت المعونة من الله و لكن ما من مجيب, كنت انتظر ملاكا او معجزة أو حتى إشارة تنبهني و تثير فيا الإيمان بالله لكن لم يظهر لي الملاك و لم تحدث لي المعجزة.حينها بدأ الافكار الإلحادية تدخل إلي رأسي, فكرت إن الله لا يهمه امري أو ربما كان الشيطان أقوى منه أو أن هناك قواعد تحكمه تجعله لا يستطيع أن يظهر نفسه لي.لكنني في النهاية عرفت أنه لا يوجد إله و إنني كنت اتحدث فقط إلي الفراغ وقت الصلاة.ظللت فترة مكتئبا و حزينا لموت الإله بداخلي و بدأت أشعر أنني وحدي في هذا العالم و إن الحياة موحشة جدا و إن وجودي و حياتي عبث و بلا معنى.بعدها بدأت أقرأ عن الإلحاد و عن الفلاسفة الملحدين و أعجبت بماركس جدا و لكن لان التجربة الشيوعية في روسيا كانت قد إنهارت فلم أعتنق الماركسية و إن كانت لا تزال لديها القدرة على إثارة إعجابي حتى الآن.و عثرت على كتب تحكي عن سارتر و الفلسفة الوجودية و بدات أقرأ إن مشاعري بالوحدة و الوحشة و العبث إنها مشاعر طبيعية و إن الحياة فعلا بلا معنى و لكن الإنسان هو الذي يصنع لها معنى.أحببت سارتر جدا و احببت كلامه عن الحرية و عن المسئولية الملقاه على عاتق كل إنسان حر و عن الإلحاد و رفض الخضوع للإله فإعتنقت الوجودية و إنغمست فيها.ثم و بفضل الإنترنت بدأت أتعرف على مذهب الإنسانية و حالا تركت الفكر الوجودي و إعتنقته. فكل كلمة أقرأها لفلاسفة الإنسانية في الفرح و الأخلاق و حب الحياة هي دستور لي في حياتي, أشعر و كانها تنبع من داخلي أو تم صياغتها بالذات من أجلي. شعرت بالإنجذاب فورا لافكار و بيانات الإنسانيين و عرفت أنني ساكمل حياتي معتنقا لهذا الفكر الجميل و تلك الفلسفة الرائعة. و هكذا فبعد بحث طويل وجدت ضالتي في مذهب عقلاني يمجد العلم و يدعو للحرية و الفضيلة و التعاون بين الناس و التطوع لعمل الخير و الفرح بالحياة الحلوة هنا و الآن, هكذا عثرت على مذهب الإنسانية.و بعد, فلقد هجرت دين أهلي و ناسي لكي أعتنق مبادئ جديدة و أفكار مختلفة كل الإختلاف سعيا وراء المعرفة. لقد آمنت بالحقيقة إنها قيمة مهمة في حياتي و لذلك تركت الإيمان بالآلهة و التسليم بما هو فائق للطبيعة, و آمنت بالحرية فنبذت العبودية و رفضت أن أخضع لإله جبار يهددني بجهنم و يغريني بالجنة او الملكوت.نعم, لقد آمنت بالخير و الحق و الحياة ففقدت إيماني بالأديان و الآلهة.و الآن و بعد ان وصلت إلي هذا الحد في تجربتي و في بحثي عن الحقيقة أحب أن أشرك غيري في المعرفة من خلال هذا العمل بحيث لا ينخدع كما إنخدعت و لا يضيع أي جزء من حياته سعيا وراء سراب الألوهية أو وهم الدين فتكون تجربتي لها معنى حين أنفع بها غيري.
(1) لماذا الألوهية ؟
الألوهية Divinity و الإله Divine هي ألفاظ مستعملة بكثرة و لكنها ليست معروفة على نحو جيد, تستخدم بكثرة من خلال عقائد و أديان مختلفة, و حتى بواسطة أشخاص مختلفين يعتنقون نفس العقيدة, للتعبير عن قوة تفوق المادة و المعرفة, أو إلي رموزها و مظاهرها في العالم.هي تشير إلي القوى الكونية التي تفوق القدرات البشرية.و الألوهية هي وجود الإله ايا كان هذا الإله, أن يكون هناك و لو إله واحد في هذا الوجود يعني ان الألوهية متحققة.لكن لماذا الألوهية كموضوع للبحث ؟و الإجابة هي ان الألوهية هي الموضوع القاعدي الأول في أي بحث عن الحقيقة ..فالألوهية هي الركيزة الأساسية لكل الأديان في العالم و حامية الحمى بالنسبة للأخلاق الدينية, و الإله هو الذي يعطي معنى للحياة لمن يؤمنون به.بصيغة اخرى فإن الألوهية هي قدس أقداس الحقيقة و التثبت منها لإقرارها أو نفيها يعتبر أمرا بالغ الأهمية لمن يبحث عن الحقيقة و الفضيلة. و لأن الاديان التقليدية معتمدة على الألوهية إعتماد شبة كامل و لأنها هي التي تقدم للإنسان منهج شامل للحياة و الوجود فإن مراجعة فكرة الألوهية تعتبر مراجعة لطريقة الإنسان في العيش و وسائله في التعامل مع متطلبات الواقع.يعني لو كان الإله موجودا لصحت المرحلة الثانية من البحث و هي السعي لمعرفة أي الأديان قد أرسلها هذا الإله و اي الاديان هو بريء منها, بل حتى التأكد من إن الإله قد ارسل أي دين على الإطلاق .. يعني لو كان له حقا وجود.إن البحث عن حقيقة وجود الآلهة أمر أساسي و مهم لأنه مرتبط بحقائق أخرى مصيرية لأي إنسان, مثل وجود الروح و هل هي خالدة لا تموت ؟ و هل هناك جنة و جهنم ؟ و هل حقا أن الحياة الدنيا كبخار الماء الذي لا يلبث إلا و يضمحل ؟ و هل حياتنا الأرضية بلا قيمة إلا فيما يخص قياسها لمن يستحق مكانا أفضل في حياة الآخرة ؟إن حسم مثل تلك الأمور يساعد الإنسان في تحديد أولوياته في الحياة و معرفة ما نصيب الحياة الآخرة من الحقيقة و إلي أي حد هي مهمة و تحتمل السعي. فمن يلتزم بالدين و التقوى و الورع هو إنسان حريص و مدخر و ذكي بما فيه الكفاية ليضمن لنفسه مكانا لائقا في الآخرة .. لكن فقط لو كان الإله موجودا.أما لو كانت الآلهة غير موجودة فإن الأديان تكون مجرد خداع تافه و ضحك على الدقون.الفكرة هي إن الشباب بالذات و النشء عموما يحتاج لأن يؤسس أولوياته على الحقيقة لا على الخداع, على الواقع لا على الخيال, على الوجود و ليس على العدم.و لهذا و لأن هذا الموضوع قاعدي جدا و مؤثر جدا على حياة معظم الناس فلقد قررت ان أبحث في الألوهية طمعا في الوصول إلي الحقيقة و إلي المعرفة و إلي اليقين الذي يستحق أن أؤسس عليه حياتي فيما بعد, آملا في أن أحصل و لو على قبس من الحقيقة و بقدر إخلاصي و أمانتي و إجتهادي في السعي.


(2) ماهية الإله
إتفقنا ان الألوهية هي ان يكون هناك إله واحد على الأقل.لكن ما هو الإله لكي نتحقق ما إذا كان موجودا ام لا ؟إن تحديد المشكلة هي أولى مهام البحث العلمي و لذلك فإن تعريف الإله هو أول خطوة لبحث ما إذا كان موجودا أم لا, و إلا فسوف ندور في دوائر و نتخبط في الظلام محاولين إثبات أو نفي وجود كائن غير محدد من الأساس.و لكن للأسف تأبى القضية إلا أن تستعصى على الباحث لان الناس لم تتفق على ماهية الإله و ذلك لعدة اسباب :1- الإله يفوق القدرة على الإستيعاب و الفهمففي كل الاديان تقريبا يتفق المؤمنون بوجود الآلهة على إن الإله يفوق قدرة العقل الإنساني على الفهم لأنه لا يدخل في حدود العقول و لا يخضع لتجارب العلماء فالإله مطلق بينما عقولنا المسكينة هي عقول نسبية.و هناك قصة مسيحية طريفة عن ان القديس اوغسطينوس كان يتجول على شاطئ البحر مفكرا في الإله و كيف أنه يستعصى على الفهم فوجد طفلا صغيرا قد حفر حفرة في الرمال و يحاول أن يغمرها بالماء فلما سأله عما يفعل قال له الصغير أنه يريد نقل ماء البحر إلي حفرته فلما أخبره أوغسطينوس بإستحالة ذلك فاجأه الطفل بالقول : و لماذا إذن تريد ان تستوعب الله الغير محدود في عقلك المحدود ؟, ثم إختفى الطفل في الحال.و بغض النظر عن حقيقة الرواية فإن معناها قد وصل و هي إن الإله في الإيمان المسيحي بالذات و في الأديان عموما يستحيل حصره عقليا, و كما يقول الكتاب المقدس : لا ينبغي أن نرتقي فوق ما لا ينبغي ان نرتقي.و طبعا هذا لا يختلف عن الجملة الشائعة : ربنا عرفوه بالعقل, كما لا يختلف عن الفهم الإسلامي من أن الإنسان يستدل على الإله بالفطرة و البداهة قبل العقل. فالأديان إتفقت على أن العقل و المنطق يؤكدان وجود الإله أما ماهية الإله نفسها فتستعصى على الإدراك و الفهم.يعني إن العقل الديني يثبت وجود الله و لكنه يعجز عن فهم ماهيته لأن الله يفوق المعرفة البشرية العاجزة عن إستيعاب ماهية الإله, فعند المؤمنين يقود العقل إلي الإيمان بالله و لكنه يخر ساجدا حين يصل إليه.غير أن السؤال الملح الآن : كيف يؤكد المؤمن بالإله وجوده بينما يعجز عقله عن فهم ماهيته ؟يعني ما هو الإله الذي يؤمن بوجوده أصلا ؟فالإنسان يعرف ما هي الشجرة و ما هو الحجر و ما هو الإنسان لكنه يجهل تماما ما هو الإله.و هكذا فليذهب التفكير العلمي و العقلاني إلي الجحيم طالما أن الإله غير محدود و يستعصى على فهم الناس سواء عامتهم او خاصتهم, و لا يتبقى لنا إلا التسليم دون فهم بأن هناك إله موجود بغض النظر عن ماهيته و هذا ما لن أقبله في بحثي العقلاني هذا.2- في الإسلام, ممنوع الخوض في البحث عن ذات اللهبل إن الإسلام نهى الناس عن الإستدراك في البحث عن إله يدينون له بالولاء بالسؤال فيما هو تحديدا, و جل ما يعرفونه هو أسماء الله الحسنى و التي تقول أنه عادل و حكيم و رائع و لكنها لا تقول لنا ما هو الإله اصلا و الذي يتصف بكل تلك الصفات. و المسلمون هنا يقولون إن صفات الله موجودة و الكيفيات مجهولة و يمسكون عن البحث في ذات الله لأنه بغير شبيه و ليس كمثله شيء. بل إن الإسلام ينهى عن الخوض في ذلك لما ورد في القرآن : (( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة و إبتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ))صحيح ان البحث في ذات الله غير ممنوع في المسيحية و أن المسيحيين يفردون مجالا للبحث عنه تحت إسم "علم اللاهوت المسيحي" ( هو بريء من العلم و العلماء بالطبع لانه لا يخضع لقواعد العلم التجريبية ) إلا أن جل ما يقولونه عن الله أنه إله واحد مثلث الأقانيم و ان الله روح بسيط لكنهم لا يقولون ما هي تلك الروح و لا ما هي طبيعتها و هكذا فإن المسيحية تفسر الماء بعد الجهد بالماء, فهم حين يقولون أن الله روح و لا يقولون ما هي الروح, يعرفون مجهولا بمجهول و غامضا بغامض.3- الإله يختلف من دين لآخرفبرغم حتمية الجهل بالإله التي يعلنها كل دين و برغم منع التقصي و البحث عن ذات الله في الإسلام إلا أن هناك بعض الصفات المذكورة في كل دين.لكن لو حاولنا أن نستخلص من تلك الصفات بعض الخصائص المشتركة بين الاديان بحيث نبحث عن وجود الإله بمعزل عن الأديان المختلفة لإستعصى علينا الأمر و ذلك لأن الصفات المذكورة عن الإله تختلف من دين إلي دين و من عقيدة لأخرى.فقد ورد في الإسلام من صفات الإله أنه واحد احد فرد صمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا احد , وسع كرسيه السماوات و الأرض.في الإسلام، الله هو الإله الحق وغيره إله باطل عند من عبده من المشركين. فالمسلمون لا يعبدون إلا الله وهذا معنى لا إله إلا الله, فالله هو خالق السماوات والأرض وهو المحيي والمميت حي لا يموت ليس له صاحبة ولا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت ولا ابن ولا بنت فهو (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) سورة الإخلاصولله الأسماء الحسنى منها ما ورد في قوله تعالى:"هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ" سورة الحشر آية 23و في المسيحية الإله واحد أيضا و لا شريك له كالإسلام و لكنه ليس واحد أحد بل واحد مثلث الأقانيم.و المسيحيين هنا يشبهون الله بقرص الشمس فكما أن الشمس نار و نور و حرارة فالله الواحد آب و إبن و روح قدس.و هو روح بسيط – أزلي أبدي – قادر على كل شيء – عديم التغير و التحول – غير محصور في مكان – مدبر كل شيء – عليم حكيم – قدوس, كامل, جواد.إذن إتفق الإسلام و المسيحية على وحدانية الإله و إختلفوا في شكل الوحدانية ..اللاهوت المسيحي يقول أن الله روح بسيط بينما الإسلام يمتنع عن الخوض في ذلك ..لكن ليس ما أريده هنا هو الصفات الإلهية كما وردت في الأديان بل أريد ان أستدل على الإله بعقلي و فهمي فقط بغض النظر عن الأديان لأننا لو نزعنا من الاديان كتبها المقدسة التي تشهد لنفسها و لآلهتها فما الذي يتبقى من الدين و يستند على العقل وحده و الإستدلال العلمي فقط و ليس على التسليم الأعمى, لا شيء.و هكذا يستحيل علينا تعريف الإله بعمومية مستدلين عليه من الطبيعة إلا بأنه خالقها ..و لا يمكن ان نستدل عليه بالعقل إلا بأنه يفوق العقل .. فالله غير معقول بهذا المعنى.فيكون الله كائنا مجهولا غير معروف ماهيته و لا نوعه و لا وظيفته و لا سبب وجوده و لا أصل منشؤه و لا أي شيء, فقط علينا ان نعرف ان لدينا واحد فقط من هذا الكائن الغريب الذي لا نعرفه و انه هو الذي خلقنا و سيحاكمنا بعد الموت ..


(3) معنى الألوهية
الألوهية في جوهرها تعني إن الإنسانية ناقصة, لأن الإنسان ليس كالإله في قوته و جبروته.و هي بهذا المعنى ليست وجودا نافعا أو في مصلحة الإنسان لأن وجود الإله يذكر الإنسان دائما بنقائصه و ضعفاته لذلك فإن من مصلحة الإنسان ان يموت الإله ليصير الإنسان هو سيد الكون و رب الطبيعة.إن وجود الإله عموما يعني عدم وجود الإنسان لأن الإله كامل و خالد و قادر و غير محدود بمكان لكن الإنسان فاني و ضعيف و محدود بالمقارنة به, وجود الإله الغير متناهي يعني ذوبان الوجود كله في ذاته و إندماجه في الإله لحد التماهي.الألوهية في كل الأحوال تعني ضياع الإنسانية و إنسحاق الإنسان و سلبه حريته و مكانته في الطبيعة و التي إكتسبها بكفاحه و نضاله مع ظروف المعيشة, إن وجود الإله يعني أن الإنسان لم يعد حرا و إن مصيره مرهون دائما بإرادة الإله و رغباته, يعني ذوبانه في الذات الإلهية و إنسحاق إرادته تحت وطأة الإرادة الإلهية.صحيح إن الإله يمثل ذروة الطموح الإنساني في قيادة الطبيعة و السيطرة على مقدراته و لكن لأن الإله يعتبر ذاتا مختلفة عن ذات الإنسان فإن وجود الإله يحقر من وجود الإنسان و يهمشه و يخلع عليه مكانة العبودية كما هو في عدة اديان.النقطة الإيجابية الوحيدة أن وجود نوع آخر من الكائنات الحية العاقلة مثل الآلهة أو الكائنات الفضائية يعني إن الإنسان ليس وحده في هذا الوجود, و هذا يقتل الوحشة في هذا الكون الفسيح ..وجود صحبة للإنسان يستدعي كل إمكانيات التعاون و الصراع مع تلك الصحبة فوجود إله في هذا الكون يعني إحتمال الخلاف او العداء مع الإله كما أنه يعني إحتمال التعاون و الصداقة, و طبعا هناك إمكانية للغزو و الإستلاب من قبل الإله كما هو في مشروع المؤمنين بالله و كلها إحتمالات لشكل العلاقة مع كائن حي عاقل مختلف عن الإنسان.و رغم إن وجود صحبة لنا في الوجود يعتبر خبر جيد على كل حال أيا كانت نوعية تلك الصحبة, سواء كانت إله أو ملاك أو جن أو كائن فضائي فكلها تكسر وحدانية الوجود الإنساني و ترمي صوتا آخر في وسط الصمت الكوني السائد, و ربما بسبب ذلك يتمسك المؤمنون بالآلهة بعقائدهم طمعا في صحبة أفضل من الصحبة البشرية, لكن من اجل العقل و المنطق لا يمكننا أن نصدق فكرة ما لمجرد انها فكرة معزية بل الإسلم هو ان نتقصى عن الحقيقة و أن نتقبلها سواء كانت حقيقة مفرحة او موجعة.اما لو كان الإنسان يعيش وحيدا في هذا الكون فهذا يعني أنه يجب ان يعتمد على نفسه تماما و أن يتكل على عقله و ذراعه فقط, فلا توجد آلهة لكي تنقذ أو تحمي و لا يوجد أب يرعى من علياؤه في السماء السابعة ..لكن كيف نشأ الدين في عالم بلا آلهة ؟إن عدم وجود إله و وجود الاديان مع ذلك يعني ان الإنسان يتمنى وجود صحبة له في هذا الكون و لذلك إخترع الكائنات المخفية التي تسليه في وحدته ..و طبعا هذا يعني أن الإنسان البدائي لم يكن في حالة إشباع إجتماعي حين إخترع الأصدقاء الخفيين Imaginary friends و كما ان الأطفال المتوحدين يخترعون الأصدقاء الخفيين فإن الإنسان يبدو انه كان يحتاج ليد حانية تربت على كتفه و شعور بالطمأنينة في هذا الوجود الموحش ..و هذا يعني ان فعل التدين يعبر عن حالة فشل إجتماعي لأن من يخفق في إقامة علاقات إجتماعية حقيقية مشبعة يضطر لإختراع علاقات وهمية مع كائنات وهمية, فالتدين بهذا المعنى فعل سلبي و ضار لانه يغذي حالة الإستغناء عن الناس, و مرة أخرى فإن الخبر السعيد ليس بالضرورة هو الخبر الحقيقي بل إن النضج يكون مؤلما في بعض الاحيان.و كما ان الطفل في العالم الغربي يتخلى سريعا عن أن شخصية مثل بابا نويل شخصية حقيقية فعلى الاطفال في العالم كله أن يتخلوا عن فكرة وجود بابا الله الذي يرعى و يحمي من السماء.إن فكرة وجود صحبة بوجه عام ليست فكرة سيئة لكن ليس حين تكون تلك الصحبة أكثر جبروتا و نفوذا من الإنسان و ليس و هي تسعى لإستعباده و فرض سيطرتها عليه.إن وجود الإله يعني وجود عدو باكثر من وجود صديق لأن الإله كما يظهر في الأديان لا يحترم حرية الإنسان و لا يكتفي بعلاقة صداقة معه بل إن الإله يسعى دائما لغزو الذات الإنسانية و إستعبادها و تقرير مصيرها بغض النظر عن اي إعتبارات.إن حياة الإله تعني موت الإنسان و عبوديته و ذله و سجنه في وجود ضيق و محدود هو وجود العابد لمعبود أفضل منه و اقوى منه.أما موت الإله فيعني تحرر الإنسان و إنطلاق إرادته حره في هذا الكون, يعني إنتهاء وجود من يشغل عرش الرب غير الإنسان, الإنسان رب الطبيعة.موت الإله يعني ميراث الإنسان لأدارة الكون و تحقيق إرادته في الحياة, لهذا يجب أن يموت الإله .. لكي نرثه و ننعم بميراثه, و هذا يعني إن الإله و لو كان موجودا فيجب على الإنسان قتله سعيا لحريته و تعظيما لمكانته, هذا لإن إمكانية الصداقة مع الإله مستحيلة طالما أن الإله يطالب بعبودية الإنسان و خضوعه الكامل, فالأشرف للإنسان أن يموت حرا و هو يقاتل و يقاوم الآلهة مثل بروميثيوس عن ان يخضع لعبودية مقيتة لذات غريبة عنه.طبعا كل تلك المعاني عن وجود الإله أو حياته أو موته هي معاني إفتراضية بمعنى أنها تفترض وجود الإله و موته لنعرف ما يعنيه هذا بالنسبة للإنسان, لكن كل تلك الإفتراضات لا تعني إقرار الباحث بوجود الله فعلا أو موته بل إن الخوض فيها هو من باب الجدل لا أكثر.


(4) الألوهية بين التعدد و التوحيد
كثيرا ما رأيت إتهامات من المسلمين للمسيحيين بأنهم يشركون بالله حين يقولون بإله واحد مثلث الأقانيم و بأنهم كأنما يقولون بثلاثة آلهة, غير أنني أتساءل : لماذا يعتبرون أن التوحيد أفضل من التعدد ؟يقولون ان التوحيد ظهر بظهور الدولة المركزية في الحضارات القديمة و لكنني اعتقد أن التوحيد مرتبط بالحكم الديكتاتوري الأحادي في الشرق القديم (و ربما إلي الآن) , فكل الامم المتحضرة قديما من إغريق و رومان و فراعنة و آشوريين و بابليين و فينيقيين و غيرهم كانوا يؤمنون بتعدد الإلهة. التوحيد لم يظهر للوجود إلا على يد الفرعون الديكتاتور إخناتون الذي أراد سيطرة تامة على المصريين بدين أحادي ديكتاتوري.و الواقع إن فكرة الإله الواحد الفرد الصمد هي فكرة جديرة بالقبائل المتخلفة مثل اليهود القدماء و العرب القدماء, هذا لان أحادية السلطة الكونية هي إنعكاس مباشر لأحادية السلطة الأرضية على القبيلة بينما تعدد الشخصيات الإلهية يعبر عن إتساع أفق و ديموقراطية المؤمن.كما أن فكرة الإله الواحد تعتبر فكرة ضد الإجتماع نفسه, فلماذا يخترع الناس إله فرد طالما أنهم من الممكن ان يخترعوا آلهة مجتمعة !, إنه حرمان من الفردانية بسبب سطوة و تعالي مجموع القبيلة مما يسبب شوق للذات الوحيدة الحرة المريدة, شوق للتفرد و الوحدانية و نبذ للإجتماع الغاشم الساحق للفرد.يعني وجود إله وحيد, ألا يثير تساؤلات مثل : كيف نشأ هذا الإله ؟ و لماذا ليس له انداد يشبهونه ؟و هل خلق الإله الوحيد كائنات عاقلة لكي تسليه في وحدته الموحشة و تفرده المقيت ؟إن وجود إله واحد وحيد يعني بالقطع أنه إله مجنون لا يفهم معاني إجتماعية مثل الحب و التراحم و التعاون, و كيف سيفهمها طالما انه كائن فريد من نوعه و ليس له أنداد يشبهونه, وحيد و متوحد و لا يعرف معنى الإجتماع.إن وحدانية الإله تعتبر فكرة رجعية و متخلفة لانها تعبر عن ديكتاتورية السلطة و الإنفراد بصنع القرار. إله وحيد بالتأكيد لن يستشير احدا في أي قرار يتخذه و بالتأكيد لن يفهم معنى الإختلاف و حرية الرأي. و لذلك نجد الإله الفرد الصمد في الإسلام و اليهودية يأمر بقتال الكفار لأنه إله شيخ قبيلة أساسا و ليس إلها كونيا واسع الأفق ليسع كل الناس.و هل كانت آلهة الأغريق تستعبد الناس ؟ أبداإن آلهة الإغريق و الرومان الجميلة كانت متنوعة و ديموقراطية و تمجد الحياة و الإنسانية و تعبر عن تعدد مجالات الحياة و سعة أفق الناس بأكثر من آلهة اليهود و المسيحيين و المسلمين الواحدة الوحيدة. و لهذا اجاد الأغريق الفلسفة كما أجادوا الميثولوجيا فالمجتمعات تعبر عن نفسها بأديانها و تجسد حياتها و نظمها في شكل ميثولوجيا.و لذلك عبرت الأمم الحرة عن آلهة عديدة متحررة و عبرت الأمم المستعبدة عن إله فرد يستعبدهم جميعا.
(5) العلاقة بين الإنسان و الإله
كيف يمكن ان تنشأ علاقة بين نملة و اسد ؟إن العلاقة الوحيدة المحتمله بين الإنسان و الإله هي أن يكون الإنسان هو الحيوان الأليف للإله. طبعا أنا لا يشرفني أن أشبه الإنسان بأنه نملة أو حيوان أليف و هو الكائن المتطور الواعي العظيم, لكنني إحتجت التشبية لكي أوضح الفكرة و هي إن الإنسان و الإله ليسوا اندادا و المعروف أنه يستحيل إقامة علاقة صحية متكافئة إلا بين الانداد.أما علاقة العبودية التي تقررها الأديان فهي أبعد ما تكون عن العلاقات الصحية, فالإله في الاديان التوحيدية بالذات لا يفسح مكانا للإنسان في علاقته به فهو خلقه ليصير عبدا له يطيع اوامره او يكويه بالنار لو عصى ثم يعلن انه إله رحيم محب للبشر مع أنه لا يحتاج أحدا بل الجميع يحتاجون إليه.لكن كيف يمكن ان يقيم الإنسان علاقة صحية مع كائن لا يحتاج إليه بل لا يحتاج لأي شخص اصلا ؟كائن متعالي تكبر هو الإله, نعم الإله في الإسلام متكبر هكذا بكل صراحة. و هو في كل الأديان منزه عن الإحتياج, إذن لماذا خلق الإنسان ؟في الإسلام خلق الله الإنسان ليعبده و هذا في عرف المؤمنين لا يحتسب كإحتياج من الله لأن يعبد (بضم الياء) بل إن الله قادر على الإستغناء عن عبادة الناس له. لكن الحقيقة هي إن الإله مجرد فكرة تقتات على إيمان الناس و ركوعهم على الأرض, إن الله لا يكتسب قوة إلا بصلوات الناس و تقديم فروض الطاعة و الولاء, لكنه بدون الناس سيموت كفكرة كما ولد كفكرة.و بالطبع فإن المقابل للإله الغير محتاج لأحد هو إنسان في كامل الإحتياج لله و لنعمه و عطاياه, إنسان يعيش على الإستجداء من الإله : يارب إفعل لي هذا , والنبي .. يارب إحمني من ذلك , و حياة العدرا .لكن ماذا عن إنسان قرر أنه لا يحتاج الإله و لا يريد منه شيئا ؟إنسان يريد ان يعتمد على ذاته و مجهوده فقط دون ان يستجدي شيئا من الإله, هذا هو الإنسان الملحد الكافر.إن العلاقة المحتملة بين الإله (سواء كان موجودا فعلا أو كفكرة خيالية) هي علاقة الإحتياج الكامل من الإنسان الضعيف العاجز أمام لا إحتياج كامل من الإله المنزه القوي القادر. هي ليست علاقة تكاملية بمعنى ان طرفيها لا يتكاملان ببعضهما بل هي بالأحرى علاقة إعتمادية حيث يعتمد فيها طرف على الآخر دون ان ينتظر هذا الطرف الآخر أي شيء فحتى الأوامر الإلهية للناس هي أوامر المفروض أنها تعمل لصالحهم لكن الله لن يستفيد شيئا من تنفيذها و لن يخسر شيئا لو لم تنفذ لأنه كامل متكامل منزه عن الإحتياج.لكن أي إنسان لديه شيء من الكبرياء سيرفض إنعام الله عليه و سيحاول ان يكون ندا مساويا له فلا يستجدي أو يتذلل لسيد لا يحتاجه و لا يشكل معه أي فارق.إن الإله لا يبكي و لا يندم, إنه منزه عن الحب لأنه منزه عن المشاعر الإنسانية, منزه عن الشعور بالألم لفقد المحبوب, منزه عن أي إحتياج من المحب للمحبوب. لذلك فعلاقة الإنسان بالإله علاقة بعيدة تماما عن الصداقة و الحب. إن الله لا يحب احدا لأنه لا يحتاج احدا و لا يجد لنفسه ندا.إن الإله قاسي القلب و يسهل عليه أن يرمي نصف البشرية في جهنم لكي يتدفأ عليهم في سماؤه لو فقط خالفوه في الراي و قرروا غير ما يريد. فوجود المعتقلات الإلهية المسماة جهنم لهو أبلغ دليل على ضياع أي معنى للحرية في علاقة الإنسان بالإله حيث على الإنسان ان ينصاع او يتم شواؤه في جهنم لكي يرضي عدل الإله.لذلك و من باب الندية و المساواة و على إفتراض وجود الإله أصلا فإن من الواجب ألا يحتاج أي إنسان للإله في أي شيء بل يتجاهله تماما و يعمل بمفرده و بمساعدة أنداده الناس.
(6) الألوهية ضد العقل
قوة مطلقة أو غير متناهية أو قوة واحدة منفردة ..الفيلسوف الإسترالي صموئيل الإسكندر يعتبر أن الإله متطور من المادة و لم يخلقها.لذلك فإن لفظة "إله" تلك قد إتسعت و تشعبت معانيها لتصبح موازية لأي شيء, فهي تعبر عن اشكال و انواع مختلفة من الآلهة هي تقريبا بعدد كل إنسان يؤمن بوجود آلهة.و حتى في الأديان التوحيدية الإله علامة إستفهام كبيرة, نجد إختلافا الألوهية كمبدأ هي ان يكون هناك إله أيا كانت صفاته, أما عن ماهية هذا الإله فلنقل أنه : القوة المطلقة الواعية الوحيدة الخالقة للوجود المادي.التعبير غامض و لا يغني او يسمن من جوع لكنه اقصى ما يمكن الحصول عليه, يتبقى إذن البحث في إمكانية تحقق الألوهية من حيث المبدأ. و هل يمكن ان يكون هناك إله ام يستحيل وجوده على الإطلاق أم إن الأجابة النموذجية هي : لا آدري . غير انني ادعي أن المسألة سهلة و عقلانية للغاية و إن هناك من المشاكل المنطقية ما يجعل وجود الإله مستحيلا أو على الأقل صعب التصديق و ذلك لعدة أسباب :1- الجهل بالإله , قلنا إفتراضيا أن الإله هو : القوة المطلقة الواعية الوحيدة الخالقة للوجود المادي, غير إن الناس و الأديان لم يتفقوا على هذا التعريف بالإله و لا على أي تعريف آخر, فالأديان لم تتفق على صفات الإله بل و حتى لم يعرفوه تعريفا دقيقا ..البوذية مثلا تقول أن الإله قوة عمياء غير عاقلة ..وليام جيمس صاحب مذهب البراجماتية يرى أن الإله أكبر من الإنسان و أقدر على معونته من سائر الموجودات لكن لا يلزم أن يكون بين الإله الواحد الفرد الصمد في الإسلام و الإله الواحد مثلث الأقانيم في المسيحية. و يبدو إن الإله في الإسلام محدود بمكان لأنه يجلس على عرش ووسع كرسيه السماوات و الأرض بينما في المسيحية هو غير محدود بمكان. في المسيحية الله روح بسيط بدون أي ذكر لماهية الروح بينما ماهية الله مسكوت عنها تماما في الإسلام. ما احاول فعله هنا هو ان استخلص معنى لكلمة "إله" يتفق عليه الجميع دون جدوى, و لو كان الإله موجودا حقا فيجب أن يكون مشهودا له بالعقل و الطبيعة. يجب أن تكون ماهيته معروفة على الأقل لأنه ليس ظاهرة عمياء مثل ظاهرة الجاذبية بل هو كائن من المفترض انه موجود و حي و له آثار. يعني ما هو الإله تحديدا ؟- هل هناك إله موجود ؟ هل هو موجود وجود مادي مثلما يوجد الإنسان و الحيوان و الشجر ؟- هل له شكل ؟ هل له حجم ؟ هل يشغل حيزا من فراغ ؟ هل هو ماليء الكل ؟- هل الإله حي حتى الآن ؟ هل هو حي مثل الإنسان و الحيوان و الأسماك ؟- من أين اتى الإله و من الذي اوجده ؟- هل الإله ازلي أبدي ام له بداية و نهاية ؟ ألا يموت أبدا ؟ كيف يكون حي و لا يموت ؟- هل الإله خالق المادة ام مخلوق من المادة ؟- هل الإله مطلق أم نسبي ؟- هل الإله واحد ام اكثر ؟ و لو كان واحدا, هل وحدته مفردة أم مثلثة أم مربعة ؟- هل الإله واعي و يعقل ام هو بلا وعي ؟- هل الإله ذات ام معنى أم طاقة أم قوة أم مادة ؟عموما أيا كانت الإجابات التي أجابتها الأديان او لم تجبها فهي مجرد تأملات بلا قيمة لأنها بلا دليل.يعني هناك من يقول أنه روح و هناك من يقول انه مادي و هناك من يسكت تماما.هناك من يقول أنه متجسد و له شكل و هناك من يستنكر و يقول أن الإله لا شكل له, و كلاهما بلا دليل.هناك من يقول انه في السماء السابعة يجلس على عرش , وكرسيه وسع السماوات و الأرض و هناك من يقول انه غير محدود بمكان و انه ماليء الكل.هناك من يقول أن الآلهة تتزوج و تنجب و هناك من يقول لا صاحبة و لا ولد و لا أب ولا ام.من الصادق و من الكاذب ؟ بل من يملك الدليل على أي شيء مما يقول ؟طبعا لا احد ..فمن الواضح إن الإله خرافة يفتي فيها كل من هب و دب بلا دليل, سواء موسى أو المسيح او محمد او غيرهم كثير فالكل يتكلم بأشياء صعبة التخيل بلا أي دليل.

2- الإله ميتافيزيقي بالطبع, مع إن الإله مجهول إلا ان هناك بعض الاشخاص و الاديان الذين يصفونه بصفات معينة, منها مثلا إن الإله روح أو إنه يفوق المادة بوجه عام.و الواقع إن فكرة وجود إله بهذة الصورة هي فكرة تتجاوز العقل و المنطق و الفطرة الطبيعية للإنسان. لإن فكرة الألوهية لا تكتفي بوجود الآلهة فقط بل إنها تعني وجود عالم كامل ميتافيزيقي مواز لعالمنا الفيزيقي و يتضمن وجود الروح و خلودها و وجود الجنة و النار و الملائكة و الشياطين و الجن و العفاريت و الأشباح و المعجزات و الخوارق.إن فكرة وجود إله غير مرئي يسيطر على عالمنا مبررة بوجود عالم كامل غير مادي يفوق الطبيعة و قدرة العقل البشري على الإدراك. عالم يتجاوز نطاق المحسوس و المعقول, عالم يفوق التجربة و يقع فيما وراء الطبيعة و بالتالي إذا كان هذا الوجود فائق للطبيعة المادية فلن نستطيع ان نعقله او نحسه او نتاكد منه بأي وسيلة, فهو وجود يتجاوز العقل و الإحساس و يتجاوز القدرة على التصديق.و لهذا حين سئل محمد عن الروح رد بإستنزال آية قرآنية هي : و يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا . تلك الآية تعني الجهل و حتمية الجهل بالروح و كل ما هو فائق للطبيعة لأنها غير قابلة للشرح او التفسير.المشكلة إن الفارق بين الميتافيزيقيا و الخرافة ربما لا يكون واضحا لتلك الدرجة, فكل شخصية خيالية إخترعها الإنسان تعتبر شخصية فائقة للطبيعة إبتداءا من الجن و العفاريت و ليس إنتهاءا بالكونت دراكيولا و المذؤوبين .فلا يمكن أبدا ان نعتمد على حكايات خيالية و قصص غريبة لكي نؤسس عليها إيمان يستحيل التأكد من صحته. إن الميتافيزيقيا تعجيز للعقل و تهميش للحياة المادية و إحتقار للطبيعة و الواقع. و لان الطبيعة متنوعة جدا و عميقة جدا و لأننا لم نكتشفها كلها بعد و ربما لن نحتويها في معارفنا كلها أبدا فلا توجد حاجة اصلا لتجاوز الطبيعة عن طريق إيمان بأشخاص و حوادث تفوق الطبيعة.إن الطبيعة غنية وغنيةجدا و نحن في صراعنا معها قد حققنا نجاحات كبيرة بما يسمح بالتصالح معها, يعني لا ضرورة للإغراق في الخيال و أحلام اليقظة عن الآلهة و الملائكة و الشياطين من أجل تجاهل وجود حقيقي و واقع فعلي .ما الحاجة لتخيل إله يتحكم في الطبيعة إذا كان الإنسان يتحكم فيها فعلا. ما الحاجة لإختراع كائنات و ظواهر تفوق الطبيعة إذا كانت الطبيعة غنية بما فيه الكفاية. إن إستبعاد الميتافيزيقيا هو حتمي لأنه إستبعاد للإيمان الأعمى الغير قائم على دليل لأن الميتافيزيقيا هي أقوال فارغة بلا دليل و لا يمكن الحصول على دليل مادي او طبيعي يثبتها لأنها ببساطة تفوق المادة و الطبيعة.و لان الإيمان بما يفوق الطبيعة يفوق قدرة الإنسان على التأكد و التثبت نجد المسيح يقول للتلاميذ حين لم يصدق توما انه قام من الاموات : طوبى لمن آمنوا و لم يروا.أي طوبى لمن آمن دون ان يتأكد مما يؤمن به لأن التاكد من وجود أماكن او حوادث او أشخاص ميتافيزيقية هو ضرب من المستحيل. و كيف يمكن لأي شخص عاقل أن يصدق أن الميت يقوم من الموت بعد أن مات فعلا, و كيف يمكن لأي شخص عاقل أن يصدق وجود المعجزات و الخوارق بجملتها.لذلك فإن إستبعاد الميتافيزيقيا عموما و الألوهية ضمنيا يعتبر امر بديهي لكل من يمجد الطبيعة و الواقع و العقل.

3- الإله متناقض منطقيا- هناك مجموعة من المتناقضات قرأت عنها و اجدها في الألوهية و التي تجعل التصديق بوجوده صعبا للغاية. و طبعا التناقض المنطقي يلزمني بإنكار وجود الإله لأنه لا يمكن للإنسان ان يؤمن باي شيء بالإستغناء عن المنطق و عن الدليل. و من تلك التناقضات :التناقض الأول : لا يمكن ان يكون الإله ذات مطلقة Absolute Person .فهو إما ذات و إما مطلق و لا يمكن ان يجمع بين هذين الضدين. إن الكمال المطلق معنى من المعاني يتعارض مع الذاتية لأن الذاتية لا تكون بغير حدود.فالإله لو كان موجودا وجودا مطلقا أو كان مطلقا باي صورة من الصور لا يمكن ان تكون له أيضا ذات واعية بل يكون غير شاعر بنفسه و ليس صاحب ل (انا) تتشخص في كيان.يعني لو كان الإله أزلي أبدي, بلا بداية أو نهاية فلا يمكن ان يكون إلا الزمان نفسه و الزمان لا عقل له و لا ذات.و لو كان الإله يملأ كل الأماكن فهذا يعني أنه هو و المكان واحد. و المكان لا عقل له و لا ذات.و لو كان الإله هو الزمان نفسه و المكان كله أي الزمكان بشكل مطلق فهذا يعني انه الوجود ذاته و الوجود ليس ذاتا و لا يعقل.أيضا لا يمكن ان يكون الإله خيرا بصورة مطلقة لنفس الأسباب و هي أن الإله وقتها سيكون معنى و ليس ذاتا عاقلة لان الإطلاق ضد الذاتية و الذاتية ضد الإطلاق.و هذا يضطرنا للقول أن الإله لو كان موجودا فلا يمكن ان يكون مطلقا أو كاملا بل يجب أن يكون نسبيا و ناقصا كالبشر و إما أن يكون مطلقا و كاملا و لكنه بلا ذات و لا يعقل.التناقض الثاني : لا يمكن ان يكون الإله كلي الصلاح omnibenevolent و مخيرا في ذات الوقت.الإنسان كائن خير لانه يختار بوعي فعل الخير في بعض الاحيان. و لو كان الإله مثل الإنسان خيرا في بعض الاحيان و شريرا في احيان اخرى لكان وجوده معقولا. لكن لو كان الإله كلي الصلاح بمعنى أنه كامل لا يخطئ أبدا فهذا يعني انه خاضع لطبيعته و انه لا يختار فعل الخير.يعني الحيوان لا يمكن ان يكون شريرا لو إفترس حيوانا آخر لان تلك هي طبيعته التي تتحكم فيه, فالحيوان بلا وعي او إرادة و هكذا الإله لا يحسب خيرا لو كانت طبيعته تحتم عليه فعل الخير و ليس بإراداته.إن الطبيعة عمياء و لا تعرف معاني مثل الخير و الشر و الإرادة الحرة فقط هي التي تختار الخير او تختار الشر فإذا كان الإله قادر و يمكن ان يختار الشر و أن يخطئ فهو مخير و إن لم يكن كان مسيرا لطبيعته.فلا يكون الكائن الحي مخيرا لو كانت طبيعته هي التي تتحكم فيه سواء بالخير او بالشر بل يكون مخيرا حين يقرر بملأ إرادته أي إختيار يختار. و هكذا يكون الإله مسيرا كالحيوان لفعل الخير وفقا لطبيعته الخيرة.فإما ان يكون الإله خيرا بشكل مطلق و لكنه مسير بطبيعته أو يكون خيرا أحيانا و شريرا أحيانا أخرى يفعل الصواب أحيانا و يخطيء أحيانا اخرى و في تلك الحالة يكون مخيرا.التناقض الثالث : لا يمكن ان يكون الإله كلي القدرة omnipotent و كلي الصلاح oAmnibenevolent في ذات الوقتو ذلك بسبب وجود الشر في العالم حيث ان وجود الشر يتعارض مع وجود الإله كلي القدرة و كلي الصلاح.هناك اربع إحتمالات لا غير في موقف الإله من الشر في العالم :1- أن الإله قادر على التخلص من الشر و يريد التخلص منه فعلا.2- ان الإله قادر على التخلص من الشر و لكنه لا يريد التخلص منه.3- أن الإله غير قادر على التخلص من الشر و لكنه يريد التخلص منه.4- ان الإله غير قادر على التخلص من الشر و هو لا يريد ذلك.في الحالة الاولى الإله قادر على كل شيء و قادر على التخلص من الشر و هو يريد ذلك إذن فهو إله خير. و لكن هذا ليس الواقع لان العالم مليء بالشرور و الآلام و الكوارث التي يندى لها جبين الإنسانية.في الحالة الثانية هو قادر و لكنه لا يريد و هكذا هو إله شرير لا تصح صداقته فضلا عن عبادته.في الحالة الثالثة هو غير قادر و يريد التخلص من الشر و بالتالي هو خاضع لقوانين الطبيعة و الظروف الواقعية كالبشر و هذا لا يجعله إلها أصلا.في الحالة الرابعة هو غير قادر و لا يريد و هو بهذا قد إستكمل عجزه بشره ليصير مسخا بلا ضمير.و هذا يضطرنا للقول أن الإله اما غير قادر و إما شرير.التناقض الرابع : لا يمكن ان يكون الإله كلي القدرة omnipotent و كلي العلم omniscient في ذات الوقت - التناقض منقول من هذا الموضوع : كيف تهدم الله بسؤال واحد ؟هل يقدر الله على تغيير أمر يعلم وقوعه في المستقبل؟فإذا كان الجواب بـ(نعم) : فالله ليس مطلق العلموإذا كان الجواب بـ(لا) : فالله ليس مطلق القدرةمثال : الله يعلم بعلمه المطلق أن نيزكاً سيرتطم بالأرض غداً ، فهل يقدر الله بقدرته المطلقة على تغيير ذلك؟إذا قدر على تغيير ذلك فهو ليس مطلق العلم وإذا لم يقدر فهو ليس مطلق القدرة ومن هنا يثبت لنا أن الصفات البشرية بطبيعتها تبدأ في التداخل والتناقض إذا ما وضعت على المحور المطلق .التناقض الخامس : الإله لا يمكن أن يتخطى المنطق التناقض مترجم من ويكبيديا هنا و هنامثال :إذا كان الإله قادرا على كل شيء, هل يمكن أن يخلق جبلا أثقل من قدرته على الحمل.1- إذا كان يستطيع خلق مثل هذا الجبل فهناك ما لا يستطيع فعله, و هو حمل الجبل.2- إذا لم يكن يستطيع خلق مثل هذا الجبل فهو أيضا ليس كلي القدرة.مثال آخر :هل يستطيع الإله خلق إله آخر أقوى منه ؟1- إذا كان يستطيع فهو ليس كلي القدرة لأن الإله الآخر سيكون أقوى منه و أقدر.2- إذا لم يكن يستطيع فهو ليس كلي القدرة أيضا.و هكذا يجب أن يخضع الإله لقواعد المنطق فهو ليس منيعا إلي هذا الحد.التناقض السادس : الإله لا يمكن ان يكون غير متغير و يكون خلق الوجود مع ذلك.التناقض مترجم من هنافي الإيمان المسيحي الإله لا يتغير و لا يؤثر فيه أي شيء, طبعا هذا مسكوت عنه تماما في الإيمان الإسلامي لأن الناس تخشى من فهم الإله فهم خاطيء.1- إذا كان الخلق الإلهي حقيقي, فإن هذا الوجود قد تم خلقه بواسطة إله غير محدود.2- الإله لا يمكن أن يكون لديه دوافع أو مؤثرات داخلية مثل الإحتياج و الرغبة و الجهل و المشاعر.3- إذا كان الخلق الإلهي حقيقي, فلم توجد أي مؤثرات خارجية على الإله قبل الخلق.4- إذا كان الخلق الإلهي حقيقي, فلم يكن الإله مدفوعا بأي مؤثر خارجي قبل الخلق ( من 3 )5- الإله قبل الخلق لم يكن يملك أي دوافع مؤثرة سواء داخلية او خارجية.6- الإله ما كان يمكن أن يفعل أي شيء, و الخلق الإلهي ما كان ليحدث.و هكذا إما أن يكون الإله متغيرا و لديه إحتياجات و دوافع داخلية تحركه ..و إما أنه لم يخلق الوجود أبدا ..التناقض السابع : الإله لا يمكن ان يكون خير بشكل تام omnibenevolent و يعلم كل شيء omniscient في نفس الوقت.التناقض منقول من هنا : The God/Hell Paradoxلأن الإله إذا كان يعلم كل شيء بما في ذلك المستقبل, إذن هو يعلم أن هناك من البشر الذين خلقهم سيذهبون إلي جهنم.و هذا يعني أن الإله قد خلق بشرا لكي يحيوا مدة قصيرة على الأرض ثم يخلدوا في جهنم.و هذا يعني أن الإله ليس خيرا بشكل مطلق.و أستطيع صياغة التناقض في الشكل التالي :1- الإله كلي المعرفة2- الإله يعلم أنه سيخلق بشرا ليرميهم في جهنم.3- الإله ليس خيرا بشكل مطلق.
4- الإله خفي في الأزمان الغابرة كان الناس يتعبدون لتماثيل منحوتة أو مصنوعة من طين أو يتعبدون لقوى الطبيعة و الحيوانات الطيبة و المفترسة. كانت الآلهة ملموسة و واضحة فحين كان الناس يتعبدون لقرص الشمس كانوا يرون فيه عظمة و إجلال. لكن مع ظهور الأديان التي تحكي عن آلهة خفية تعيش معنا ولا نراها أصبحت الآلهة مجهولة و ميتافيزيقية و خفية دائما.و لهذا كانت حجة إختفاء الآلهة هي من أقوى حجج الإلحاد, لان معنى إختفاء الإله أنه غير حاضر ببساطة و حتى لو كان موجودا, فالشيء الموجود و لكنه غير حاضر يكون وجوده لا معنى له و لا طائل من ورائه.يعني مادام الإله مختفي فربما يكون قد مات أو يكون غير مهتم بالبشر و بعالمهم و هذا وارد بسبب الفارق الكبير بين الإله بقدراته و حكمته و مقامه العالي و بين البشر المساكين الضعفاء. مادام الإله مختفي فهو غير حاضر وسطنا و ليس منا و بالتالي فإن وجوده لا معنى له.ثم إن إختفاء الإله هو سبب كافي للطعن في وجوده أصلا و في قدرته على الظهور و في إهتمامه بالبشر.و إلا فلماذا لا يظهر نفسه لكل الناس مثل الشمس في وضح النهار ؟لماذا لا يعلن عن نفسه لكل العالم ليريح و يستريح ؟لماذا يترك الناس تضرب أخماسا في أسداس في محاولة فهم سبب إختفاء الإله ؟هل هو إله خجول ؟ هل شكله قبيح ؟ألا يستطيع الظهور ؟ ألا يحب الناس ؟هل يخشى الصحفيين و وسائل الإعلام ؟و هذا يجعلنا ننتقل إلي الأسئلة التالية الحتمية :هل هو موجود أصلا ؟و لو كان موجودا فلماذا هو ليس حاضرا معنا و وسطنا ؟هل هو يهتم بنا ؟ما معنى وجوده إن كان خفيا و غائبا بشكل دائم ؟و هكذا تكون الألوهية هي ضد العقل لأن :1- الإله مجهول و غير معرف2- الإله ميتافيزيقي, يفوق الطبيعة و الواقع و العقل3- الإله متناقض منطقيا4- الإله خفي دائما
أربع أسباب تدعو الى الشك في وجود اللـه كتـبه Logikal فيما يلي باختصار أربع حجج يتناقلها الملحدون الغربيون من الفلاسفة و غيرهم. وقد شهدتُ العديد من المحاضرات و المحاورات التي استفاضت في شرحها. 1- القدَر اللانظامي و سقوط مركزية الإنسان.2- البلبلة الدينية.3- التفسيرات المادية (أو سقوط التفسيرات الروحية).4- إختفاء الإله - هذه عبارة عن أربع محاور تقوم عليها النظرية الإلحادية الرافضة لإدعاء وجود الإله الإبراهيمي، أي الإله الذي يؤمن به المسيحيون و المسلمون و اليهود.1- القدَر اللانظامي و سقوط مركزية الإنسان.من الواضح أن الطبيعة لها مسار معين لا يبالي بالأشخاص أو حتى الحيوانات. فالأمراض تنتشر بلا تمييز و الحيوانات تفترس أحدها الآخر بلا شفقة. الزلازل و البراكين تضرب مناطق عديدة و تقتل البشر بعشوائية عمياء. العاهات تحد من حياة الكثيرين. ليس هناك دليل على وجود أي نظام معين أو غاية معينة فالخير و السعادة تكون من نصيب الكثير من الأخيار و الأشرار بلا عدل، و الشر و التعاسة يحدثون للأخيار و الأشرار سواسية. لا دليل على ما يسمى العناية الالهية.أما نظرية أن الانسان هو مركز الاهمية، حيث الارض هي كل ما في الكون و الشمس و النجوم يدورون حولها فقد سقطت هذه النظرية و كان سقوطها عظيما بعد أن تبين أن الارض مجرد ذرة في كون شاسع، و لا أهمية تذكر لها. 2- البلبلة الدينية.أ- تعددت الاديان و الطوائف و كل منها يكفـّر الآخر، و تناقضت التفسيرات و الفتاوى فبات أتباع الدين الواحد يحكمون على بعضهم البعض بالجحيم قبل حكمهم على الآخرين.ب - لا يوجد هناك تعريف واحد منطقي للماهية الإلهية. كل التعريفات الموجودة ثبت تناقضها الداخلي والخارجي مما يؤدي الى استحالة وجود الإله منطقيا.ج- الاثباتات التي يجيء بها الدينيون لاثبات وجود اللـه هي اثباتات متناقضة منطقيا و خالية من اي أدلة مباشرة، أي أنها لا تزيد عن كونها تخمينات شخصية.3- التفسيرات المادية (أو سقوط التفسيرات الروحية).لقد فسّر العلم الكثير من الأمور التي نسبها الناس في الماضي الى اللـه. فمثلا الرعد لم يعد صوت الالهة الغاضبة، و الامراض ليست ارواحا شيطانية بل جراثيم و علل طبيعية. و اليوم نجد أن مجمل الادلة التي يبرزها المؤمن ما تزال تنسب الى اللـه ما نجهله على طريقة: أ-( لا يمكنك تفسيركذا.... فانت كذاب) إذن اللـه هو التفسير و هذا بات يسمى بـ "إله الفراغات"، أي كلما وجدنا فراغا في العلم عجز العلماء عن تغطيته، يغطيه المؤمن بالإله.و اللافت للنظر أن هذه الفراغات كانت واسعة شاسعة في الماضي لكنها ما برحت تنكمش حتى أصبح الإله محشورا في زاوية ضيقة تتلخص في بعض الامور مثل أصل الكون و أصل الانسان، و اذا كان التاريخ يكرر نفسه، فلا بد أن العلم سيغطي هذه الفراغات بأجوبة علمية واضحة لا تترك للإله عملا يقوم به. 4- إختفاء الإله -هذه من أكبر الحجج و أصعبها و التي فشل الدين في اجابتها. فأين هو الاله الذي كان يشق البحار و يصنع المعجزات؟ هل كان عاملا و أخذ إجازة طويلة الأمد، أم أن كل ما يروى عنه مجرد أساطير مثل باقي الأساطير؟ هل هي صدفة أن الإله إختفى في العصر الحديث حيث أساليب التحقق العلمية باتت شائعة؟

(7) الألوهية ضد الحرية-يعتقد معظم المؤمنين بالألوهية نظريا, بحرية الإنسان في الإختيار و هو الشيء الذي يبرر مجازاة الإله للإنسان في يوم الدينونة و محاسبته على تصرفاته و سلوكه, غير أن طبيعة الإيمان بالألوهية تتطلب الإيمان بإرادة الإله و ليس إرادة الإنسان, فالإله هو الذي يريد و إرادته نافذه بينما الإنسان خاضع لقدره و مستسلم لمصيره الذي لا يملك تغييره بما لا يخالف إرادة الإله.و لكن الإيمان بالقضاء و القدر (كما في الإسلام) أو الإيمان بخطة الله التي أعدها للإنسان (كما في المسيحية) يعتبر ضد الحرية و ضد تقرير المصير. فمثلا الإله في الإسلام يهدي من يشاء و يضل من يشاء و في المسيحية أيضا يغلظ الرب قلب فرعون لو شاء و يحنن قلبه لو شاء كما في الخروج – إصحاح 9, فالإنسان بحسب الأديان مسير و لو إدعى رجال الدين غير ذلك.غير إن أسوأ ما في الألوهية هو أنها تعني عبودية الإنسان للإله, فالإيمان بأي دين يلزم الإنسان أن يكون عبد عند الله خاضع له و يأتمر بأمره. إن من يؤمنون بوجود إله لا يكتفون بان هناك كائن حي عاقل إسمه الله (مثلا) و هذا الكائن هو الذي يفسر الوجود و فقط, بل و لا يدعون أن الله يسعى لصداقة و حب الإنسان بل إن الإله يسعى لقهر الإنسان بإستعباده و حرمانه من حريته. و كما قال غوتز في مسرحية "الشيطان و الله" لجان بول سارتر : إذا كان الله موجودا فالإنسان عدم, و مادام الله يلغي وجود الإنسان وجب إذا إلغاء الله ليوجد الإنسان.هذا يعني ان الإنسان الذي يسعى للحرية لابد أن يثور على الآلهة (أيا كانت) لابد أن يلقي عن ظهره الندم (إختياره حريته و تقرير مصيره بنفسه), لابد أن ينبذ الشعور بالذنب (لسلوكه كيفما يريد و رفضه وصاية و أبوة الإله), لابد ان يلفظ الخوف (من الإله و من جحيمه و غضبه). لابد ان يكون حريته و يعيش وجوده و يجحد العبودية لأيا كان و لو كان إلها جبارا.إن حرية الإنسان تعني مسئوليته عن وجوده و حياته و مجتمعه و عالمه, مسئولية كبيرة كان يتحملها إله باكمله و لكنها تنتقل للإنسان بمجرد مطالبته بالحرية و حصوله عليها, لذلك فإن على الإنسان ان يتحمل نتيجة ما يفعل في شجاعة و أمل ليكون حرا, عليه أن يخوض في الحياة بقوة الإله و بإرادة من فولاذ لا يصدأ. و لكن الإنسان يضعف أحيانا فهو قد يتهرب من مسئوليته تجاه نفسه و تجاه عالمه, إن الإنسان عندما لا يريد ان يعيش حريته و يتحمل المسئولية ينسحب و يخترع له إلها يحمله كافة المسئولية و ينصاع لأوامره هو بحيث لا يعذبه إختياره أو يقلقه. لأن الحرية في معظم الأحيان شيء لا يسر و لا يبهج, على العكس إنها تلهب الإنسان بإحساس الوحدة و تقضه بإحساس الإنعزال. عندما يحس أي إنسان بحريته قد يرتجف قلبه و تنخلع مفاصله و يحس بأعصابه تكاد تعجزه عن الحركة. إن القلق يرهبه و يكاد يقتله. لأنه لا يعرف ماذا يختار, و لا ماذا سيكون مصير إختياره. لكن الإختيار الحقيقي هو الإختيار الذي يمنح صاحبه مزيدا من الحرية له و للآخرين.عندما يبدأ إحساس الناس بالحرية يبدأ الطغيان في الإنهيار فالإنسان الحر لا ينصاع و لا يخضع و لا يدخل قوالب. إنه يفكر و يعيش و يجرب بنفسه و لنفسه و للآخرين. إنه حر و هو يحس بحرية الإختيار كاملة لديه فيختار و هو مسئول عن كل قرار يتخذه من أجل ذلك.لكن الآلهة لا تريد الحرية للإنسان, الآلهة تريد أن تحصره في الشعور بالخوف و العجز و التفاهة, تريد أن تجعله أسيرا للإحساس بالذنب و الإثم و الدونية بدلا من أن يحيا حرا و يتعلم من تجاربه و يصمم على تحقيق إرادته ضاربا عرض الحائط بإرادة الآلهة.و لهذا فإن الإنسان الحر سرعان ما يثور على الآلهة او بالأحرى فكرة الآلهة. فالإله لو كان موجودا سيكون إله الأحجار و النجوم لكن ليس إله البشر الأحرار. إله على نفسه حتى و ليس على الإنسان. لو كان موجودا سيكون إله مع إيقاف التنفيذ.لو كان موجودا يكون قد أخطأ لو خلق الإنسان حرا فهو قد خلقه بإرادة حرة ثم يريده ان يصير عبدا بإختياره, و تلك مغالطة شنيعة. لكن الإنسان البطل هو الذي يجعل الحرية ترتد إلي نحر الإله فلا يستطيع بعد ذلك أن يتحكم في الإنسان.إن الإنسان بعد أن يصير حرا لا يمكن أن يعود عبدا لاحد و لا ينتسب لأحد بل يكون كالإله في إرادته المنفردة و إستقلاله و شجاعته. و كما تشهد التوراة نفسها بان الإنسان حين عصى الله قد صار مثله حرا و عارفا الخير و الشر :و قال الرب الاله هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير و الشر (تكوين 3 : 22)فالإنسان حين يعصي الإله بحريته يكون ندا له بل و أعظم منه لان الإنسان هنا لا يعيش حجمه و قدراته بل يتعالى على نفسه و يحاول أن يتجاوز ذاته لذلك تصير معصيته بطولة بينما الإله يعجز عن أن يكون بطلا لانه أقوى الكائنات كافة.إنها الحرية التي تجعل الإنسان العادي بطلا بقدر ما يكون حرا, لكن ليست المعصية مع الخوف هي التي تجعل الإنسان بطلا بل المعصية بشجاعة و تبجح و عناد مع القوة الأعظم, طبعا لو كان الإله موجودا.لكن مادام الإله غير موجود فإن بطولة الإنسان تكون في صراعه مع الطبيعة و ليس مع الإله, لان الإله معدوم أما الطبيعة فموجوده. لذلك فإن كفاح الإنسان ضد قوى الطبيعة هي أكبر بطولة ممكنة للإنسان و كفاح الإنسان ضد مبدأ الألوهية هو كفاح أقل بطولة و كفاح الإنسان ضد خرافات الأديان هي بطولة أقل من ذلك.يعني الواحد لا يجب أن يتحسر على موت الإله لإنعدام إمكانية معصيته و الدخول معه في صراع بطولي لأن الطبيعة و الحياة توفران للإنسان مثل تلك الإمكانية في أن يصير بطلا للحرية ..
هذه المقالة منقولة من منتدى اللدينيين العرب للزميل
Beautiful Mind

9‏/11‏/2008

عدة كشف المغالطة

هذا المقالة منقولة من مدونة الاستاذ راضي عاقل
http://www.freesyrian.blogspot.com/

هذا المقال هو نقل عن كتابات العالم الفلكي الكبير Carl Sagan، وبالتحديد هو جزء من أحد كتبه وهو The Demon Haunted World: Science as a candle in the dark (العالم المسكون بالشياطين: العلم كشمعة في الظلام) وقد سمى الفصل The baloney detection kit (عدة كشف الدجل أو المغالطات) ويشرح فيه بعض المغالطات المنطقية في النقاشات وكيفية كشفها وطريقة عمل الذهن الناقد الشكاك التي لا تقبل بتصديق أي شيء ما لم يوجد دليل دامغ عليه.وبمتابعتي للكثر من النقاشات الدينية، لاحظت الكثير من هذه المغالطات التي يرتكبها المحاورون باستمرار وقد أحببت أن أشرح هذه المغالطات مع أمثلة مما رأيته.متطلبات الحوار الأساسية:
1 – يجب أن يكون هناك تأكيد مستقل "للوقائع" إذا كان بالإمكان: الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فعمليا كل "الوقائع التاريخية" التي يتحدث عنها المتدينين تأتي من مصدر واحد وهو الكتب الدينية دون أي سند تاريخي من أي جهة محايدة: إبراهيم، نوح والطوفان، موسى وشق البحر، ....
2 – يجب أن تشجع مناقشة كافة الحجج والبراهين من كافة الأطراف المعنية والمطلعة:بالرغم من عدم وجود مشكلة في ذلك في منتديات الحوار الإلكترونية نظرا لطبيعتها، لكن هذه النقطة في غاية الأهمية في كتابات الدينيين التي يردون بها على اللادينيين، إذ غالبا ما يمنعون الكتاب الذي يناقشوه ! أو في حالات أخرى يناقشون أنفسهم عوضا عن مناقشة الطرف الآخر، والمثال الأشهر على ذلك هو عندما "يفحم" مصطفى محمود صديقه الملحد بعد أن يكون هو الذي وضع كلام الملحد وتولى بنفسه الإجابة عليه ولم يعط الملحد الافتراضي فرصة التعقيب.
3 – حجة السلطات ليس لها قيمة على الأغلب:والمعني بالسلطات هنا هو أي شخص أو جهة لها أهمية، كمثال على ذلك: هذا الموضوع أكده العالم الفلاني فإذا هو صحيح، أو طالما أسلم شخص مشهور فذلك يعني أن الإسلام صحيح، أو طالما قال القرآن أن أكل لحم الخنزير حرام فهو مضر بالبشر. المشكلة هنا أنه حتى تكون لحجة السلطة قيمة يجب توافر الشروط التالية:- أن تكون السلطة مختصة بالموضوع المطروح، فلا يكفي أن يكون الشخص مشهورا أو ذو شعبية. ولا يجب الاستشهاد برأي كيميائي علامة في موضوع جيولوجي مثلا.- يجب أن يفسر كلام السلطة بدقة شديدة ولا يخرج من سياقه (الإسلاميون أبطال هنا في هذا المجال وخصوصا في موضوع "الإعجاز العلمي").- يجب أن يكون هناك دليل مادي وملموس على الحجة بغض النظر عن قوة السلطة وتخصصها فكل إنسان يخطىء.- يجب أن توجد طريقة للحكم على حجج السلطات المختلفة وأيها أصح في حالة التعارض (الأديان المختلفة على سبيل المثال).
4 – يجب طرح أكثر من فرضية واحدة لتفسير أي ظاهرة، فإذا كانت هناك ظاهرة معينة يجب التفكير في جميع الاحتمالات التي يمكن أن تفسر هذه الظاهرة ثم التفكير بطرائق يمكن بواسطتها دحض هذه الفرضيات والفرضية التي تنجو من كل محاولات الدحض تكون هي الصحيحة.وعلى سبيل المثال وبرغم أني شخصيا لا أرى ما يستحق النقاش في موضوع "الإعجاز العلمي" ولكن سأطرح بعض أفكاره هنا لتبيان النقطة:يدعي الإعجازيون أن القرآن تنبأ بكروية الأرض قبل اكتشاف ذلك بآلاف السنين، وبالتالي فلا يوجد تفسير سوى أن الله قد أنزل ذلك على محمد وبالتالي هو نبي. سنفرض هنا أن القرآن قد قال فعلا بكروية الأرض (برغم أن ذلك غير صحيح إلا بتأويل الكلام بأشد أنواع التأويل تعسفا) ولكن هل تفسير هذه الظاهرة الوحيد هو أن محمد رسول الله ؟فرض أول: العالم Eratosthanes في مصر الذي عاش في القرن الثالث قبل ميلاد المسيح، أي قبل محمد بألف عام تقريبا لم يكتف بإثبات كروية الأرض فقط، بل قاس ايضا قطرها بدقة تبعث على الدهشة نظرا لبدائية الوسائل المتاحة له. ومن الممكن افتراض ان ذلك وصل إلى محمد بطريقة ما عبر أسفاره.فرض ثاني: أخبر أحد رواد الفضاء من عالم آخر محمد بذلك.فرض ثالث: محمد قال هذا الكلام صدفة بدون أن يعرف أنه صحيح.فرض رابع: محمد من المستقبل وقد رجع إلى الماضي وكتب تلك المعلومة.فرض خامس: محمد رسول الله.فرض سادس: محمد مندوب الشيطان وقد أخبره بذلك كي يغوي البشر عن دين الحق وهو البوذية مثلا.فرض سابع: محمد عالم فلك وقد توصل إلى ذلك الاكتشاف وأحب أن يستغله كي يدعي النبوة. وغيرها وغيرها ....الآن علينا أن نبحث في هذه الفرضيات واحدة بعد الأخرى ونحاول أن نستبعد ما يثبت خطأه منها ثم نختار الباقية ونعتمدها. وهذا يقودنا للنقطة التالية:
5 – حاول ألا تتعلق بنظرية أو فرضية ما لأنها لك أو لكونها تروق لك شخصيا، هذه النقطة من أصعب النقط لأنه عندما يتعلق الشخص عاطفيا بنظرية معينة يصبح همه هو إثباتها بأي طريقة ويتجاهل (ولو لا شعوريا) الدلائل التي تدل على عكسها. الحل هنا يكمن في النظر بتجرد وعدل بين كل الاحتمالات ومقارنتها ومحاولة تحسس نقاط الضعف في نظريتك نفسها لأنه إذا لم تفكر أنت في مكامن ضعف نظريتك فسيفكر غيرك بها.
6 – تحدث بالأرقام إذا أمكن، فإذا كانت المسألة التي تريد اثباتها لها صفات رقمية فهذا يساعد كثيرا على اختيار الخيار الصحيح.إذا أخذنا مثالا على ذلك النقاش حول انتشار الإسلام الواسع في الدول الغربية، الشيء الذي يكرره الإسلاميون باستمرار كدليل على صحة الإسلام (برغم عدم منطقية هذا الدليل إذا أن الحقيقة لا يتم التوصل إليها بعدد الأصوات وإلا كانت المسيحية هي الدين الصحيح !!)، نجد دائما أن كلامهم غير مرفق بأرقام وإن أرفق فهذه الأرقام بلا أي سند علمي أو منتزعة من سياقها. فحتى يمكن أن أتحدث عن زيادة عدد معتنقي الإسلام يجب ان أوضح:- عدد السكان العام- نسبة المنتمين لكل دين ونسبة الملحدين- نسبة التوالد والزيادة الطبيعية بالنسبة لمعتنقي كل معتقد- نسبة الهجرة القادمة بالنسبة لعدد السكان ونسب كل معتقد فيها- نسبة تاركي الإسلام برغم ولادتهم مسلمين- نسبة المسلمين الذين ولدوا كذلك ولا يهتمون كثيرا بالأديان حتى يحاولوا البحث في تغيير دينهم.- الخلفية الإثنية لمعتنقي الإسلام، فعدد كبير من السود يعتنق الإسلام نكاية بالرجل الأبيض وكعلامة احتجاج أكثر منه قناعة بالحجة.- الأسباب التي دفعت الناس إلى الدخول في الإسلام (نسبة لا يستهان بها تدخل الإسلام كي تتزوج من مسلم أو مسلمة فقط أو كي ترث دون أي قناعة من أي نوع وأنا شخصيا أعرف أكثر من مثال على ذلك).ومن نافل القول أن أغلب "الباحثين" المسلمين عندما يثير موضوع انتشار الإسلام في الغرب لا يجدون أي ضرورة في إجهاد أنفسهم بتحري مثل هذا الجزئيات التافهة ويكتفون في أغلب الأحوال بالقول ان عدد المسلمين في أمريكا في سنة 1950 كان كذا والآن هو كذا. (بشكل يشبه تماما سخافات "الإنجازات والعطاءات" عندما تعد عدد المدارس قبل وبعد الثورة مثلا).
7 – إذا كانت هناك سلسلة اثباتات لقضية محددة فيجب أن تكون جميع حلقات هذه السلسلة مثبتة (ضمنا الفرض الأول منها) وليس معظمها فقط.المثال الذي يحضرني هنا هو إثبات الغيبيات الإسلامية (الجنة، النار، الجن، إلخ ...) فحتى أصدق هذه الإثباتات يجب أن يثبت المسلم أن:- هناك علة لوجود الكون - هذه العلة هي الله- هذا الله لا علة لوجوده- أن الله يهمه أن يسمع رسالته إلى الناس- أن الله يهمه أن تعبده الناس- أن الله صادق ولا يخدع الناس- أن الله قد اختار أن يعلن عن وجوده بطريقة الأنبياء الغريبة بدلا من إظهار نفسه بشكل واضح- أن محمد هو رسول الله فعلا- أن محمد صادق في كل ما قاله ولم يخطىء أو يسيء فهم كلام الله- أن ما وصلنا عن محمد صحيح ولم يحرفوربما كان هناك المزيد من البراهين،ولا يمكن إثبات وجود أي من الغيبيات إلا بعد إثبات جميع حلفات السلسلة وليس أحدها فقط. أعتقد أن مثالي هنا ظالم بعض الشيء لأن معظم إن لم يكن كل حلقات هذه السلسلة ضعيف للغاية.
8 – إذا كانت هناك أكثر من نظرية تقدم تفسير لمسألة ما بشكل جيد، فمن الأفضل اتباع أسهلها، ويقصد بأسهلها النظرية التي فيها أقل عدد ممكن من الفرضيات غير المثبتة. يطلق على هذه القاعدة اسم حد أوكام Occam’s Razor.أي بعبارة أخرى يجب اتباع النظرية الأسهل بين النظريات التي تقدم تفسيرا لكل المعطيات المتاحة.وعلى سبيل المثال، إذا رأيت أحدا يتدحرج على الأرض ويصرخ وأنا لا أعرف الكثير عن الطب بحيث لا يمكنني التمييز بدقة أكثر وتحري أصل المشكلة بالضبط، يمكن أن أفترض:- بأن الموضوع هو اضطراب كيميائي في دماغه - أو أن الجن الكافر قد تلبسهإذا أخذت بنظرية الجن الكافر فيجب أن أفترض أنه - يوجد جن- وأن الجن شقين كافر ومؤمن - وأن الجن الكافر يتلبس البشر وأن علامات التلبس هي الدحرجة والصراخ إلخ ... وكل هذا بالطبع غير مثبت.بينما في الحالة الثانية الأمر أسهل بكثير وفيها فرض واحد فقط.لاحظ أن النظريتان تقدمان تفسيرا معقولا حسب المعلومات القليلة المتاحة وقد تم اختيار الأولى نظرا لقلة الافتراضات غير المثبتة فقط.تنطبق نفس القاعدة على مناقشة وجود الله بذاته كتفسير للكون ووجود الروح كشيء منفصل عن الجسد ومستقل عنه، حيث كلتاهما فرضيتان تزيدان من تعقيد الشرح عوضا أن تبسطاه.
9 – النقطة الأخيرة في غاية الأهمية ولعلها الأهم على الإطلاق في رأيي، وتنص أن يجب لأي نظرية أن تكون قابلة للاختبار وللنقض من حيث المبدأ على الأقل، فكل ما لا يمكن اختباره ونقضه لا قيمه على الإطلاق.والمثال الأول على ذلك هو وجود الله نفسه، فمهما فعل المرء فلن يستطيع ابتكار اختبار علمي يثبت عدم وجود الله (أو وجوده بالطبع)، وهذا بالذات ما يجعل نظرية وجود الله ليس لها أي قيمة علمية على الإطلاق وتنقل بالتالي إلى مجال الإيمان الذي لا علاقة له بالعلم.ولعل من أمتع ما قرأته حول هذا الموضوع هو التنين الوردي، لا أذكر حرفية القصة لكنها تسير بالشكل التالي:يقول أخ لأخيه: يوجد في غرفة النوم تنين وردي ينفث النار.ينظر الأخ ليتحقق فلا يرى شيئا، يسأل أخاه فيقول له هذا بسبب أن التنين الوردي خفي.- ولكن أليس له علامات أقدام على الأرض ؟- لا فهو يطير في الهواء- مع ذلك، كيف دخل علينا وباب الغرفة مغلق ؟- التنين يستطيع اختراق الأبواب لأن ليس له كيان مادي - طيب، طالما أنه ينفث النيران لماذا لم يحترق البيت ؟ - لأن نيرانه خفية أيضا ولا تحرق الأشياء الماديةويستمر الحوار بهذه الطريقة، ومن الواضح أن هذا ليس حوارا بل مهزلة، لأنه لا توجد أي طريقة يمكن للأخ الثاني بها اختبار وجود هذا التنين المزعوم وبالتالي نقض كلام أخيه وبإمكان الأول أن يقول أنه يوجد تنين أو فيل أو وحيد قرن أو أي شيء ما دام الكلام لا يمكن نفيه.التجربة المسيطر عليها Controlled Experiment والتي يمكن تكرارها هي الأساس في العلم، التفكير المنطقي والمحاججة العقلية بحد ذاتها ليست دليلا علميا، فتعقيد الطبيعة أكبر بكثير من تعقيد الحجة.
هذا ينهي متطلبات المناقشة العلمية السليمة ونأتي الآن إلى طرح الخدع والمغالطات المنطقية التي يرتكبها البعض بانتظام مع أمثلة إذا أمكن.
1 – مهاجمة شخص المحاور عوضا عن حجته: لا حاجة لإجهاد النفس في البحث والتحري لإيجاد أمثلة في هذه النقطة فللأسف الشديد ارتقى بعض المحاورين الإسلاميين بهذه المغالطة إلى مرتبة الفن.وأنا شخصيا لا أرى تعبيرا أوضح من هذه الطريقة في المناقشة على الإفلاس الفكري.المؤسف أن هذه الطريقة في "النقاش" ليست مقصورة على المتدينين فقط بل استخدمت وتستخدم بانتظام من كل أطياف الفكر العربي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولعلها من أوضح تجليات الانهيار الفكري والحضاري الذي نعيشه.
2 – حجة السلطة: أو المطالبة بالثقة في شخص ما بدون دليل. مثال:إذا حكم المشايخ البلاد فستعم البركة ويقضى على الفقر وتسود العدالة،- كيف ذلك ؟ - لأنهم مشايخ أطهار ويجب أن نثق بهم فعندهم الحلول لكل شيء،- سايرونا واشرحوا لنا كيف سيقضي حكمهم على الفقر، ما هو برنامجهم ؟- يجب أن نثق بهم لأنهم يطبقون الشرع وبتطبيق الشرع سيحل كل شيء ......- تحملوا غبائنا وبينوا لنا كيف سيؤدي تطبيق الشرع إلى حل مشاكل الإسكان والبطالة والفساد والتخلف العلمي والانفجار السكاني ونقص المياه والتلوث وحقوق الإنسان إلخ .... ؟ - ألا تفهم ؟ الشرع عنده حل لكل شيء، انتظر وسترىطبعا بالإمكان النظر إلى البلدان التي يحكمها المشايخ ورؤية نتائج مثل هذه المحاججة. والشعب الإيراني المسكين يدفع غاليا اليوم ثمن ثقته بالحلول السحرية التي يقدمها المشايخ.
3 – الحجة بالجهل: أي المحاججة بأن كل ما لا يمكن إثبات خطأه فهو صحيح، أو بالعكس كل ما لا يمكن إثبات صحته فهو خطأ.مثال 1: لا يوجد دليل مادي على عدم وجود النبي موسى وبالتالي فهو موجود.مثال 2: لا يوجد دليل مادي أن الله موجود وبالتالي فهو غير موجود.يمكن دحض هذه الطريقة في المغالطة بالعبارة التالية: غياب الدليل ليس دليلا على الغياب.
4 – التحذير من العواقب الوخيمة بلا دليل: أمثلة: - إذا لم يعتقد الناس بالجنة والنار فسيفقد كل رادع وتعم الفوضى المجتمع.- إذا لم تطبق الحدود الإسلامية فلن يتم ردع اللصوص والعابثين وستعم الجريمة.- إذا لم نمنع الفكر "الكافر" فسيغوى الناس عن دينهم ويعم الفساد.- إذا خلعت النساء الحجاب سيعم الفساد والدعارة وتتفكك الأسرة.تم تكرار هذه المغالطات باستمرار يصل إلى حد الملل، طبعا لا تستند هذه التحذيرات إلى أي دراسة من أي نوع وإنما هي الرأي الشخصي لصاحب القول فعلى سبيل المثال:- المجتمعات الأوروبية التي تحوي أعلى نسب ملحدين في العالم (تتجاوز 50% في بعض دول شمال أورويا) هي أرقى مجتمعات العالم وأكثرها تنظيما وإنسانية وحضارة.- لم يستطيع أحد الربط بين تطبيق حكم الإعدام وانخفاض معدلات الجريمة، فأمريكا التي تطبقه فيها معدلات جريمة أضعاف مضاعفة عن أوروبا التي لا تطبقه. الجريمة في أمريكا لها عواملها وشدة العقوبة ليست هي الحل وإنما هي فقط إشباع الرغبة البدائية في الانتقام. وتطبيق قطع الرأس تعزيرا في السعودية عقابا على تهريب المخدرات لم يوقف التهريب بأي شكل من الأشكال.- أمريكا التي تسمح بكل أنواع الفكر من مختلف التيارات فيها أكبر نسبة مؤمنين في العالم المتقدم ولم يؤثر فيهم "الفكر الكافر" الذي يسهل الوصول إليه من أي مكتبة على ما يبدو.- تفكك الأسرة لا علاقة له بالحجاب من قريب أو بعيد، فالأسرة لم تتفكك كما يبدو في الصين واليابان والهند بالرغم من عدم وجود الحجاب هناك. ما يجمع الأسرة حقيقة في مجتمعنا هو القهر القانوني الممارس بانتظام على المرأة وعدم استقلاليتها المادية والحجاب هو مظهر جانبي لهذا القهر فقط.
5 – التفسير بالجهل أو بالغموض Special Pleadingويستخدم عادة في إنقاذ المواقف الواقعة في تناقض منطقي وأخلاقي عميق. أمثلة:- كيف يعرف الله مسبقا قبل أن أولد أني لن أكون مؤمنا ومع ذلك خلقني ليعذبني ؟ - جواب: أنت لا تستوعب دقة موضوع الإرادة الحرة في الإسلام.- كيف يمكن أن يصاب طفل صغير بالسرطان، أليس هذا قسوة من الله ؟ - هذا ابتلاء وأنت لا يمكنك أن تناقش إرادة الله.- كيف يعاقب الله الصالح مع الطالح والأطفال مع الكبار ويغرق الجميع في طوفان نوح ؟ - الله حر في عباده ومن أنت حتى تناقشه ؟- كيف يرسل الله زلزالا يدمر حياة الناس بلا تمييز ؟ - قدر الله وما شاء فعل
6 – افتراض ما تحاول إثباته، أو بناء نتيجة على فرضية بحاجة إلى إثبات، أمثلة:- الله موجود لأن تصميم الكون البديع لا بد له من مصمم، هنا تم تقديم فرضية أن للكون تصميما على أنها حقيقة للاستدلال على وجود المصمم.- محمد رسول الله لأن االبلاغة لإعجازية للقرآن لا يمكن أن تأتي من بشر، هنا تم تقديم الإعجاز البلاغي القرآني كحقيقة ثابتة والبناء عليها.- لابد من تطبيق حكم الإعدام لردع المجرمين وتخفيف نسبة الجريمة، هنا تم تقديم فرضية أن حكم الإعدام سيؤدي إلى ردع المجرمين وتخفيف نسبة الجريمة كحقيقة ثابتة.- لابد من إعلان الجهاد لوقف المؤامرة العالمية الرامية للقضاء على الإسلام. (تم تقديم المؤامرة على الإسلام كحقيقة).- شهادة الرجل تساوي شهادة امرأتين لأنه من المعروف أن المرأة متقلبة المزاج وتغلبها العاطفة، (بدون أي محاولة لإثبات تقلب المزاج وغلبان العاطفة، ثم تعميم ذلك على كل النساء بشكل مطلق وبشكل يدعو للضحك تنزيه كل الرجال من ذلك).غالبا ما تأتي هذه المغالطة مسبوقة بكلمات مثل: "الكل يعلم" و "من الواضح" و "لا ينكر إلا مكابر" و "من المعروف أن"، إلخ ..
7 – الملاحظة الانتقائية: أي إبراز الأمور الإيجابية وتجاهل السلبيات. هذه المغالطة منتشرة بشكل هائل والكل يمارسها بانتظام:- الشيوعيون يبرزون عدم وجود البطالة في مجتمعاتهم ويتجاهلون البطالة المقنعة وانخفاض الإنتاج.- الإسلاميون يبرزون تماسك مجتمعاتهم ويتجاهلون الظلم والقهر الذي ادى لهذا التماسك.- النظم العربية الديكتاتورية تتشدق بالاستقرار الذي جلبته بعد مرحلة الانقلابات وتتجاهل القمع الذي سمح بهذا الاستقرار.- تتفاخر الحكومات العربية بعدد الجامعات وتنسى ذكر مستوى التعليم المتدني. إلخ ...
8 – الإحصائيات بأرقام صغيرة. أو تعميم تجربة محدودة على الجميع:- برهنت مرة إحدى المحاورات في أحد منتديات الحوار على تفكك المجتمع الأمريكي وتعاسة الناس فيه بأنها تعيش هناك وقد خالطت الناس هناك ورأت ذلك بعينها، النقطة هنا أن تعداد سكان أمريكا يعادل كل الدول الناطقة بالعربية مجتمعة، كم شخصا رأت المحاورة لتعمم ذلك ؟واجهتني هذه المغالطة كثيرا في حياتي وهذا أمثلة واجهتني شخصيا:- أحد الأصدقاء يقول أنه ليس عنصريا لكنه لا يحب الفلسطينيين كون كل تجاربه معهم كانت سلبية، كم من الفلسطينيين يعرف ؟ وكيف انطلق من ذلك للتعميم ؟- النساء في الغرب عاهرات ويكفي أن ترى الأفلام الخلاعية لتعرف ذلك، كيف تم تعميم العهر على الجميع ؟ (هذه الخرافة بشكل خاص مغروسة في ذهن الرجال العرب الذين يسافرون لأول مرة إلى الغرب حيث يتوقعون أن النساء هناك مستلقيات على الطرقات بانتظار فحولتهم العربية)أطرف ما يمثل هذه المغالطة هو نكتة يشنع بها على الأطباء: عالج مرة طبيبا مريضا مصابا بالسرطان بحساء البصل، وقد شفي هذا المريض فكتب الطبيب بحثا علميا عن فوائد حساء البصل في شفاء السرطان، وبعد فترة عالج مريضا ثانيا به فمات هذا المريض فعدل بحثه بحيث قال: يشفي حساء البصل 50% من مرضى السرطان.
9 – إساءة استعمال الإحصائيات: ولهذا عدة أشكال مثل:- اعتبار البرهان الإحصائي ينطبق على الجميع: بما أن الرجال أكثر عدائية وعنفا من النساء إحصائيا فهذا يعني أن أي رجل عدائي أكثر من أي امرأة.- الذين يرفضون التطور (حتى من بدايته، إذ أن بعض "المعتدلين" يقبلون أنه يطبق على غيرالإنسان) ويقولون أن احتمال تكون جزيئة الحياة الأولى ضعيف جدا، يتجاهلون حجم الكون الهائل واتساع الفترة الزمنية التي حدث فيها التطور. فالإنسان الذي يعيش عشرات السنوات ويتحرك في حيز مئات أو آلاف الكيلومترات لا يستطيع بسهولة تصور فترة آلاف ملايين السنين وآلاف ملايين السنوات الضوئية. - أغلب الناس لا تستطيع تصور النسب المئوية الصغيرة جدا أو الأرقام الكبيرة جدا وبالتالي يصبح مجال التلاعب في إحصائياتها سهلا، فمثلا لا يتصور الإنسان العادي أن احتمال ربحه اليانصيب أقل بكثير من احتمال مقتله بحادث سير وهذا يفسر غباء الناس الذي تثرى بموجبه الجهات المنظمة لليانصيب، والإنسان الذي تبلغ ديونه الشخصية آلاف الدولارات يبدو له دين الدولة الذي يبلغ مئات الملايين رقما أسطوريا رغم أنه قد يكون كسرا ضئيلا من ميزانية تلك الدولة. - استخدام الأرقام الملائمة فقط في الإحصائيات، وهنا لدي مثالين: مثال انتشار الإسلام في الغرب الذي بينته سابقا ومثال التفاهة التي روجتها أجهزة الإعلام الأمريكية في عام 1990 أن صدام حسين يملك رابع جيش في العالم، إذ اكتفت بعد الدبابات والطائرات والجنود (أعداد صحيحة أو قريبة من الصحة) وتجاهلت الاقتصاد والمستوى العلمي والتدريبي والصناعة ونوعية العتاد ومصادر قطع التبديل والموارد الطبيعية و و و و
10 – التناقض أو عدم الثبات على مبدأ، ولا يوجد مثال أوضح من ذلك أكثر من موضوع "الإعجاز العلمي"، فإذا طابق اكتشاف علمي ما تفسيرا ملتويا لجملة ما من القرآن يصبح حقيقة دامغة بينما يتم تجاهل أو تأويل ما هو واضح تماما بأنه تفسير غير دقيق أو مجاز:- اختار الإسلاميون أن كلمة "دحاها" أنه جعلها بشكل البيضة، أما أن الشمس تغرب في "عين حمئة" و"تسجد لربها" فهو تعبير مجازي.- اختار الإسلاميون أن تعبير "وإنا لموسعون" تدل على تمدد الكون وهذا قمة الإعجاز بينما الذكر الواضح أن الشهب التي تدور في مسارات محددة حول الشمس يمكن التنبؤ بها لآلاف السنين في المستقبل هي لرجم الشياطين التي تسترق السمع هو مجاز ويجب ألا يفسر بحرفيته.- والطريف هنا أن نظرية الانفجار الأعظم أصبحت مقبولة لديهم ولا غبار عليها إطلاقا كونهم وجدوا نصا يمكن لوي عنقه لينطبق عليها بينما التطور وكل ما نتج عنه من أبحاث وراثية واستنساخ وتحسين نسل النباتات والحيوانات والأمثلة التي نراها كيف تطور الحشرات والجراثيم مناعتها تدريجيا ضد الأدوية والمبيدات الحشرية، كل هذا يتم تجاهله بكل بساطة لكونه "نظرية غير مثبتة".- يسخرون من خرافات آلهة الإغريق بينما الطوفان والدببة القطبية التي أتت من القطب الشمالي والبنغوين الذي أتى من القطب الجنوبي وكنغر أستراليا والطوف الذي اتسع لملايين أنواع الحشرات وعشرات آلاف الزواحف والثدييات والطيور وطعام كل ذلك لفترة طويلة، ناهيك عن النباتات (التي يموت أغلبها عند غمرها بالماء) والتربة اللازمة لها وماء الطوفان الذي أتى من حيث لا يعلم أحد وذهب بعد الطوفان إلى حيث لا يعرف أحد وغيرها هي حقائق علمية ثابتة لا ينكرها إلا مكابر أو مغرض !!!والتناقض ليس في الإعجاز العلمي فقط بل هو راسخ رسوخ الجبال في التفكير الإسلامي والأمثلة كثيرة:- السنة يرون أن زواج المتعة الشيعي هو نوع من الدعارة (وهذا صحيح برأيي) ولكن التسري بغير حساب وإعارة الجواري والاستمتاع بأكثر من جارية معا لا غبار عليه من الناحية الشرعية.- الغرب مطالب باحترام الشريعة الإسلامية والمسلمين المهاجرين وعدم ممانعة الدعوة الإسلامية بينما نحن غير مطالبون حتى باحترام مسيحيي الشرق الذين هم أصحاب الأرض مثلنا تماما من فجر التاريخ، ناهيك عن التبشير والعياذ بالله.- يضحكون من تقديس الهندوس للأبقار بينما تقبيل الحجر الاسود هو قمة المنطقية.- يشنعون على المسيحيين كهانتهم بينما تدخل المشايخ في الكبيرة والصغيرة وتكفيرهم للناس وارتزاقهم على حساب الشعب ومصادرة حق النقاش من الناس وحصره بهم فقط وفتاوي الجهاد والوعد بالجنة هو "علم ومساعدة في التفسير" فقط. وغيرها وغيرها
10 – إثبات نتيجة لا علاقة لها بالفرض (حتى لو كان الفرض صحيحا)، أي عدم الترابط المنطقي: من الأمثلة المضحكة على ذلك: لو كنت تحبني لاشتريت لي هذه الهدية، ولكن ليست كل الأمثلة واضحة بهذا الشكل: - الإسلام دين إرهاب، يكفي أن تنظر للإرهاب في العالم حاليا حتى تعرف ذلك. (لا تحاكم الفكرة أو العقيدة من تصرفات أشخاص، بل تحاكم بذاتها).- المسيحية هي دين الحق، ألا ترى أنها أكثر الأديان انتشارا في الأرض ؟ (عدد المعتقدين بفكرة لا علاقة له بصحتها أو عدمها).
11 – حدث بعد هذا، إذا فهذا هو السبب، أي لمجرد أن حادثا ما قد وقع بعد حادث آخر فهذا لا يعني أن الحادث الثاني كان نتيجة للحادث الأول ومن الأمثلة الصارخة على ذلك هو مثال الحضارة التي ازدهرت في العصر العباسي وقوة الدولة وقتها وكيفية استدلال الإسلاميين من ذلك على عظمة الإسلام. ولكن،- هل يرجع الفضل في حضارة اليونان القدماء إلى سمو معتقداتهم الدينية وكون زيوس هو إله الحق ؟- هل يرجع سبب حضارة الفراعنة الرائعة إلى عقلانية دينهم وكون الفراعنة آلهة فعلا ؟- هل ترجع حضارة بابل وبقية حضارات بلاد الرافدين إلى أنهم كانوا يتبعون دين الحق الذي أتى به تموز وعشتار وبعل ؟ والصينيين ؟واليابانيين والغربيين أخيرا ؟ لماذا فقط الحضارة الإسلامية نتجت عن صحة الدين ؟؟؟؟كل هذه الحضارات - وضمنها "الحضارة الإسلامية" - نتجت عن عدة عوامل: الدولة المستقرة نسبيا، التحضر (عكس البداوة)، الرخاء الاقتصادي النسبي، قدر معين من حرية التفكير، وهذا السبب الأخير هو برأيي سبب الإنطلاقة الصاروخية للحضارة الغربية الحالية كما نعرفها قبل أي شيء آخر. وكل هذه العوامل ليس لها أي علاقة من قريب أو بعيد بالدين
12 – الأسئلة العبثية أو عديمة المعنى أو المناقضة لذاتها، والمثال الأشهر على ذلك هو سؤال: هل يستطيع الله خلق صخرة كبيرة جدا بحيث لا يمكنه تحريكها ؟ أمثلة أخرى: - هل يستطيع ذهن الإنسان القاصر فهم طبيعة الله غير المحدودة ؟ - هل يستطيع الله خلق إله يماثله ؟ - لماذا الكلاب ليست قططا ؟ومن أمثلة قرأتها في طروحات منتدى اللادينيين العرب:- اذا اردت ان تعصي الله فلا تاكل من رزقه ؟- اذا اردت ان تعصي الله فلا تسكن في بلاده. ؟- اذا اردت ان تعصي الله فاذهب واعصيه في مكان لا يراك فيه ؟وبالرغم أنها ليست أسئلة إلا أنها طرحت كذلك
13 – التطرف أو إلغاء الوسط: وهذه المغالطة منتشرة بشكل فظيع في الفكر الديني والوطني والعقائدي (أي جميع أنواع الدوغما) بشكل خاص:- من كان ليس معنا فهو ضدنا (سيدنا جورج بوش الابن عليه السلام).- يقسم العالم لفسطاطين، فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان (مولانا أسامة بن لادن كرم الله وجهه).- إما أن تحب بلادك أو تكرهها.- إما أنت طيب أو شرير.- إما أنت وطني أو خائن.واحدة من أفظع مشكلات الفكر الديني عموما والإسلامي خصوصا هي عدم وجود الحلول الوسط: إما أن تقبل الإسلام كما هو بدون أي اعتراض أو تعديل (حسب المذهب طبعا، فإسلام السنة غير إسلام الشيعة) وإما تكون كافرا أو مرتدا حلت عليك لعنة الله والناس أجمعين.لا يمكن حصر المآسي التي سببها هذا النمط من التفكير وللأسف الشديد فإن التطرف والاستقطاب يزدادان في العالم حاليا بشكل مخيف وعند جميع الأطراف.
14 – المدى القريب / المدى البعيد: حالة خاصة هامة من تجاهل الوسط، أي تجاهل المنفعة البعيدة الأمد لحساب حل سريع قد يكون غير كاف في الكثير من الحالات: من الأمثلة الجيدة جدا والمعاصرة هي طريقة تعامل الدول العربية مع إسرائيل، وخصوصا دول "الصمود والتصدي" أو ما بقي منها:- لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.- يجب حشد كل طاقاتنا في معركة المصير.- لا يمكن الحديث عن الديمقراطية بينما أرضنا محتلة.- يجب توجيه الاقتصاد نحو الناحية العسكرية كي نستطيع الدفاع عن أنفسنا.- يجب عدم بحث أي مواضيع فرعية مثل المشكلة الطائفية المستعصية أو الفساد كي لا نظهر ضعفاء أمام العدو. وما إلى ذلك من الشعارات الجوفاء.وبصرف النظر عن صدق نوايا رافعي هذه الشعارات (أغلبهم لصوص وقطاع طرق وانتهازيون وهم أول من يعرف خواء كلامهم ونفاقه)، فهذه المغالطة منتشرة بشكل هائل حتى في أوساط عامة الناس التي تقودها عاطفتها قبل عقلها ويثيرها الكلام الحماسي وعنتريات أحمد سعيد في الستينات وسعيد الصحاف الأحدث منها.بمناقشة سريعة، إسرائيل تملك قنابل نووية ليس هناك أدنى شك بأنها ستستعملها إذا لزم الأمر وكان هناك تهديد فعلي لوجودها، إسرائيل لديها عدد من أرقى المعاهد العلمية والجامعات في العالم، إسرائيل لديها صناعة متطورة واقتصاد يتفوق على معظم الدول العربية مجتمعة، ناهيك عن جيشها والدعم الأمريكي لها، ما هي فرصتنا في تحقيق نصر عسكري عليها حاليا (أو في أي مرحلة من مراحل وجودها السابقة) ؟ صفر.نحن لسنا أول أمة تهزم في التاريخ ولن نكون الأخيرة، هزمت قبلنا اليابان وألمانيا واحتلتا وقسمتا وتعرضتا لأهوال تبدو أمامها خسائرنا أمام إسرائيل تافهة ولا تذكر ورغم ذلك لم تستغرق كلتيهما إلا عشرين أو ثلاثين سنة كي ترجع إلى مقدمة العالم كثاني وثالث اقتصاد عالمي على التوالي.لم تستخدما التفجيرات الإنتحارية والمظاهرات الصاخبة والشعارات الفارغة والخطب الرنانة والتحريض الحماسي والجعجعة بالنصر والتحرير، بل تقبلتا بصبر حقيقة الهزيمة وعملتا على تجاوز ما أدى بهما إلى هذه الهزيمة واليوم أصبح مواطنو روسيا التي هزمت ألمانيا يحلمون بفيزا لدخولها والعمل في محطة بنزين بها.هزمت الصين وأذلت أكثر من مرة ولم تستطيع تجاوز هزيمتها إلا عندما تخلت عن الشعارات والإيديولوجيات الفارغة والرفيق ماو وكتابه الأحمر وها هي اليوم في طريقها لتصبح من أول دول العالم.وربما لو اتبعنا طريقتهم لأصبح اليهود يحلمون بمواطنية الدول العربية، ربما.
15 – المنحدر الزلق: أي بناء سلسلة من الافتراضات غير المثبتة بناء على تصرف معين وتقديمها كحقيقة، وكاسم آخر، مغالطة الدومينو، وهي نوع خاص من مغالطة عدم الترابط المنطقي التي ذكرتها سابقا. توجد نكتة قديمة تبين هذه المغالطة بشكل كوميدي:أرادت امرأة أن تستعير مكواة من جارتها، وهي في الطريق فكرت أن جارتها ستمانع في الإعارة أولا ثم تتبع ذلك بالمنة ثم ستقول للجيران أنها استعارت منها المكواة نظرا لبخلها كي لا تشتري واحدة وهكذا، عندما رنت الجرس وفتحت لها الجارة وقبل أن تفتح الجارة فمها قالت لها: لا حاجة لي بمكواتك اللعينة، رديها عليك.وكمثال آخر: يجب الا تسحب يانصيب لأن اليانصيب نوع من القمار، فإذا قامرت فستتعود على القمار وتفقد كل مالك ثم ستستدين من المرابين ثم تلجأ للجريمة كي تسد ديونك ثم ستنتهي في السجن وتتفكك عائلتك ويتشرد أولادك !أما إذا رجعنا للجدية، فالمثال الأوضح على هذه المغالطة والذي يتكرر بانتظام عجيب وإن بصياغات مختلفة في حوارات المتدينين هو التالي: إذا انتشر الإلحاد فسيفقد الرادع الديني للناس وبالتالي فستزول الأخلاق وتعم الجرائم وتفقد الثقة بين الناس. قام الكثير من اللادينيين مشكورين بالرد على هذاه المغالطة ولا يوجد لدي ما أضيفه على ردودهم.مثال آخر طويل هو ما ما نقله أحد المحاورين المسلمين مرة عن "الإعجاز الاقتصادي" في القرآن بتحريم الربا، إذ يكاد يكون كله مبني على هذه المغالطة ومغالطة التحذير من العواقب الوخيمة. حتى وصل الاسترسال في الخيال بلا دليل بالأمر إلى أن الربا هو سبب كثرة أمراض القلب !!!!
16 – الخلط بين العلاقة والسببية، أي أنه إذا كانت توجد علاقة ما بين ظاهرتين فهذا لا يعني بالضرورة أن إحداهما كانت سببا للأخرى حتى لو كانت العلاقة صحيحة، مثال: لاحظت الإحصائيات أن نسبة المصابين بالسرطان من قاطني الأبنية العالية أكبر بكثير من نسبة المصابين القاطنين في أبنية منخفضة، نستنتج من ذلك أن علو البناء مسبب للسرطان. تبدو المغالطة هنا مضحكة ولكن العلاقة موجودة فعلا، المغالطة هنا ليست صحة العلاقة بل نسيان عامل أن الأبنية العالية توجد عادة في مراكز المدن التي يكثر فيها تلوث الجو.بالرغم من وضوح سخف المثال السابق إلا أن هذه المغالطة واسعة الانتشار وأحيانا قد تمر بغير ملاحظة إذا موهت بشكل جيد، يستعمل الناس هذه المغالطة في تأييد مواقفهم المسبقة، ولا يوجد مثال أوضح على ذلك من موضوع المرأة في الإسلام، يقول المسلم: أنت تناقش في كون عقل الرجل أرجح من عقل المرأة، انظر حولك وأخبرني، كم يوجد من العلماء الذكور وكم من الإناث ؟ كم يوجد من القادة الذكور وكم من الإناث ؟ والقضاة ؟ والأدباء ؟ ألا ترى بعينيك ؟؟ أتماري في الحق ؟ وهذا على صعيد العالم كله وليس فقط في الشرق الأوسط ؟الظاهرة موجودة بلا شك ولا جدال فيها والإثبات الإحصائي لا نقاش فيه لكن هذه الحجة تتناسى العوامل المسببة لذلك: تفضيل الأولاد الذكور في التعليم والتوظيف وفتح الفرص أمامهم، توجيه الإناث نحو الزواج من الصغر وإبعادهن عن الحياة العملية، الذكورية المتأصلة في الرجال والتي لا ترضى أن تتفوق عليها النساء، كل هذه العوامل لا تتعلق من قريب أو بعيد برجاحة عقل المرأة. أنا هنا أتحدث عن العالم كله وليس الإسلام تحديدا الذي ذي أكرم المرأة بجمعها مع الحمار والكلب في حديث واحد.الخلط بين العلاقة والسببية هي المغالطة المفضلة أيضا لدى العنصريين لإثبات تفوقهم على غيرهم وعمليا يمكن إدراج كل براهينهم تحتها.
17 – رجل القش: أي إظهار خصمك بشكل ساخر كي تظهر حجته في ضوء سلبي:- هل تريدني أن أناقش من يقول أن جده قرد ؟- انظروا ما أسخف كلامه، يقول أن كل التعقيد المذهل للحياة وليد الصدفة ؟- محبو البيئة يهتمون بالحيوانات البرية أكثر مما يهتمون بتعليم الأطفال وصحتهم (شكل آخر من أشكال مغالطة المدى القصير / البعيد).
18 – إخفاء الحقائق، أو تقديم حجة معينة بوجه معين (قد يكون صحيحا) وعدم ذكر الوجوه الأخرى. تصادفنا هذه المغالطة أكثر ما يمكن في الدعايات التي تتغنى بمزايا منتج معين (قد تكون المزايا موجودة فعلا) ولكن "تنسى" ذكر أن المنتجات المنافسة تقدم نفس المزايا تماما وربما بسعر أقل و"تنسى" أيضا ذكر مساوئ هذا المنتج. المثال الأكبر على ذلك من واقع حياتنا في الشرق الأوسط هو موضوع الغرب المنحط المنحل، تجد الإسلاميين حديثا وقبلهم العروبيين الثوريين يقدمون الدراسات المعمقة والتحليلات الرائعة عن الفقر والجريمة في الغرب والتفكك العائلي في بلاد الكفر والتمييز العنصري في أمريكا والعنف المنزلي إلخ .. أذكر تماما أنه في أوائل الثمانينات كانت الصحف السورية الرسمية تخصص مقالا يوميا عن بؤس الحياة في أمريكا وتزينها بالإحصاءات الصحيحة (المنقولة عن مصادر أمريكية) عن الأمية ومعدلات الجريمة و... تكفي طبعا رؤية صفوف الناس على باب السفارة الأمريكية وغيرها من السفارات الغربية بانتظار الفيزا وحدها للرد على سخافة هذه الدراسات.هذه المغالطة منتشرة بشكل واسع جدا في الإعلام العالمي عموما والعربي خصوصا حيث تستخدم بانتظام في تقديم العدو كشيطان رجيم بالتركيز على كل ما هو سيء فيه وإغفال ذكر أي إيجابية.
19 – الكلام المعسول، أي تغيير الاسم بدون تغيير المسمى. أنت عندك مشكلة أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية عويصة ولا يوجد أي طريقة لتجاوزها، ماذا تفعل ؟ الجواب بسيط: غير اسمها باسم آخر أفضل ويمكنك بعد ذلك التغني بها أيضا كإيجابية. وهنا لدي مثالين ممتازين:المثال الأول: الفائدة على القروض: أنت تاجر، تريد زيادة مبيعاتك وذلك بالبيع بالتقسيط ولكن لا يوجد أي مغفل في العالم يقبل أن يتحمل مخاطرة الإقراض بدون مردود، وحتى في حال عدم وجود المخاطرة، لماذا أقبل بتجميد أموال يمكن استثمارها في قروض بلا فائدة ؟ وأنت مؤمن لا يمكنك تحمل سمعة أنك تأكل مال "الربا" الحرام، ماذا تفعل ؟ المشايخ لديهم الحل، غير اسم الفائدة بأسماء أخرى وانتهى الموضوع، وكل ما سأذكره مر معي شخصيا:- البضاعة لها سعرين: سعر النقدي وسعر التقسيط !!!- أنا لا أبيع نقدي إطلاقا، إذا أردت سعر النقدي إذهب إلى جاري !!!- أنا لا أتعامل في الفائدة والعياذ بالله، ولكن سأدلك على واحد سيقرضك، أنا آخذ منه ثمن بضاعتي نقدا وهو يقسط بفائدة !!المثال الثاني: حروب الفتح الإسلامية، أنت بدوي تريد غزو البلاد المجاورة المتحضرة ونهبها وسبي نسائها واستعباد رجالها، ماذا تفعل ؟ تجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق طبعا وماذا غير ذلك ؟ لنتصور سخف الرواية، أنت امبراطور بيزنطة وريث حضارة ودولة عريقة وقوية تأتيك رسالة من شخص لم تسمع به في حياتك من مكان لا تعرفه في صحراء قاحلة لا يوجد بها إلا قبائل من البدو وقطاعين الطرق تطالبك باتباعه نظرا لأنه رسول الله الحامل لدين الحق، هكذا بدون أي مقدمات أو شروحات، ماذا تفعل ؟ إذا تجاوزت الرسالة بواب القصر ووصلت إلى الإمبراطور (وهذا مستبعد) فالأغلب أنه سيستلقي على ظهره من الضحك ويقول "مسكين، الله يشفيه" هنا افترضت أنه كانت هناك رسالة فعلا، وأنا أشك كثيرا بهذه الرواية لأني أعتقد أن محمد كان أذكى من يرتكب مثل هذه الغلطة.المهم، بعد عدة سنوات تشاهد مجموعة المحاربين المدججين بالسلاح تقترب من حدودك تعطيك الخيارات المنطقية التالية:- الاستسلام وتوليتهم الحكم وتحويل نفسك إلى مواطن من الدرجة العاشرة تدفع الجزية وأنت صاغر وذليل.- القتل ونهب الخيرات وسبي النساء والأطفال وإرسالهم إلى المدينة "المنورة" ليتمتع بهم "الصحابة الأطهار المبشرون بالجنة"ثم يسمى ذلك "جهادا في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق"، من كل العجائب التي يزخر بها التاريخ الإسلامي لم أر أسخف من هذه.
في نهاية الموضوع أحب أن أنوه أنه ببحث بسيط على الإنترنت يمكن لأي شخص يعرف الإنكليزية الاستزادة كثيرا في موضوع المحاججة المنطقية وطرائقها وتقنياتها وكيفية إدارة الحوار. لا أعرف مدى انتشار كتابات من هذا النوع باللغة العربية ولكني لا أتوقع الكثير فكتابات من هذا النوع قد لا تكون محبذة لدى حماة الأخلاق والقيم المسلطين فوق رؤوسنا.
http://freesyrian.blogspot.com/2006/10/blog-post.html

3‏/9‏/2008

ألانا الراصد

يتفاعل الانسان مع الوسط الذي يعيش فيه ويتاثر به , غير ان ما يميز البشر عن غيرهم من الموجودات, هو تطور الذاكره التي تتلقى الكثير من الانعكاسات الحسيه , تلك الانعكاسات التي تستخدم لاحقا عن طريق الربط والتركيب في التخطيط لبلوغ الغايات وتجنب العثرات. ورغم ان جميع الموجودات تتمتع بقدر او باخر من الذاكره وحتى الشجر والحجر , الا ان الانسان ينفرد عن غيره في بلوغ درجه عليا من الادراك لما يحيط به, بحيث يستطيع ان يبني استنتاجات تجريديه من مسلمات واقعيه تميزه عن غيره !وعندما يلاحظ التغير في كل ما يحيطه به تتكشف له مفاهيم وعلاقات يقوم العقل البشري بتجريدها ضمن كليات منطقيه تكون اساسا لتركيب تعميمي اكثر تجريدا,فملاحظة التغير المتصل يقود الى السببيه لفهم عمليه التغير الواقعيه الموضوعيه لتشكل الجديد وهلاك القديم, لكن العقل البشري يتحرك في ادراكه بين المتناقضات جاعلا نقطة ارتكازه او( نقطة قياسه الضمنيه ) هي الانا الذاتيه , وعندما تنتفي نقطة الارتكازالخاصه تلك يوشك العقل من فقدان صوابه ويقع في متاهه, بحيث يصعب عليه فهم ما يجري حوله .اليكم المثال التالي : لنفرض ان احدهم صرح بان كل ما في الوجود تضاعف مرتان - فهل يستطيع العقل البشري اثبات العكس ؟
المشكله تقع في انتفاء نقطة الارتكاز التي اعتاد العقل عليها سواءا كانت ضمنيه او صريحه , لذلك لا يستطيع اي ما من البرهنه على خطل ما صرح به سابقا !ولهذا- نرى التفكير في حالات مقاربه لتلك, يلجا الى ابتكار النقيض حتى يحس ذاتيا بانه في مكانه.
دعنا نعود مرة اخرى الى التغير والسببيه فعندما يحدث تغير ما,و يتم رصده من قبل الانا المفكره , تحدث مقارنه في الذاكره على الاقل بين حالتين يكون نتيجتها استخلاص الجواب عن سؤال (لماذا) وهو ما يفسر بالسبب او العليه في صيغتها التعميميه لان النتيجه في الاخيره قد تكون سابقه او لاحقه للمؤثر.
لكن ليس بالضروره , ان كل ما يدرك بالحواس يمكن تفسير تغيره بالعليه , فهناك الكثير الكثير من الظواهر الطبيعيه او حتى الذاتيه لم يتمكن الانسان من الوصول الى اصطفافها في ساحة العليه وهنا بالضبط يكون العقل في بداية متاهته وخروجه عن طوره , لكن الارتداد الى الذات يجعله في بعض الاحيان يواصل البحث والكد من اجل ضبط الظاهره ضمن حقل العليه كما اسلفنا .
في حالات كثيره وخاصة في طفولة البشريه , كان لا بد لهذا العقل من جواب - فكان المسبب الاول وهو اختراع فكري انساني بامتياز هدف الى وضع العقل في حالة التوازن المطلوبه !!لكن تسلسل الاسباب او العلل, اوحتى العله الاولى يؤدي الى التوقيف - والتوقيف ليس له من مكان في الوسط المحيط ! فما العمل ؟هنا يلجا العقل الى الاستنجاد بالنقيض , او الحد الاخر. فهو اصلا لا يستسيغ الاحاديه المفتوحه بدون نقيض !!وبهذه الطريقه يتم التناسق مع الذات في امرين1- العليه 2- التناقض , لكن التوازن الحادث لعقل الانا المفكره , لا يلبث ان تعترضه مجسات الحكم بالصدقاو الكذب, عن طريق مراجعة بديهيات التفكير وقوانين المنطق التياعتبرها مسلمات اساسيه لتشكيل الفكره التركيبيه !!يقوم العقل باستمرار بغزل مفاهيمه التركيبيه عن طريق التجريد , ولكن بالتوقيف ضمن حد التناقض ,- فالتغير لا بد له من الثبات , والجزئي له نقيض هو الكلي , والنسبي حده الاخر هو المطلق - وهكذا بحيث تتركب نتيجه تكون خارج نقطة الارتكاز المذكوره سابقا حتى تصبح عصيه على الاستيعاب العقلي , لانها شاء العقل ام ابى , نراه يدفع بالتجريد نحو الاحاديه التي تتناقض مع ادراكه, وحتى لا يبقى ذلك التجريد فكره معلقه بعيدا في الوهم , يقوم العقل بمراجعة استنتاجه ليسبغ على التجريد المتوحد صفاته التي ما تفتا ان تدخل في تناقض مع بعضها البعض , الامر الذي يسبب انهياربعض المسلمات بوصفها فاعلة كلقواعد فكريه اوبديهيات عقليه في الدائرة الكلية التى كانت وسيلة ذاتيه للتركيب التجريدىالاعم . و الادهى من ذلك - ان تلك الفكره المجرده تصبح مشجبا يعلق عليه كل قصوره! لكن الاخطر من ذلك هو توهم العقل ذاته , بانه وصل الى مراده في المعرفه المطلقه التي وكانها تنتدبه للتبشير بقدراتها وصفاتها وافعالها , بحيث يصبح وكانه هناك التحام بين التجريد المنطقي المضطرب وبين الذات الوحيده المتفرده ويعود ليدعي- من خلال وهمه- بان ما ينطق به لسانه ليس الا تعبيرا او ايحاءا من تلك الفكره التجريديه التى يتوهمها موجوده او واجبة الوجود!!ويدعو الاخر لعدم المروق عن تسلطه الفردي بدعوى الشموليه والاطلاق في ما يصدر عنه وكانه صادر عن ذلك الوهم الثابت المطلق وليد الوحدانيه التى تهز التوازن العقلي للتفكير بانتفاء التناقض